نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٥ - سورة الأنبياء
و يبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له: و ما المعنى و الفائدة في قوله تعالى: خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ ؟أ تريدون بذلك أنّ اللّه تعالى خلق في إنسان العجلة؟و هذا لا يجوز؛ لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف يكون مخلوقة فيه لغيره!و لو كان كذلك ما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول: سَأُرِيكُمْ آيََاتِي فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ ، لأنّه لا ينهاهم عمّا خلقه فيهم.
فإن قالوا: لم يرد أنّه تعالى خلقها؛ لكنّه أراد كثرة فعل الإنسان لها؛ و أنّه لا يزال يستعملها.
قيل لهم: هذا هو الجواب الذي قدّمناه من غير حاجة إلى القلب و التقديم و التأخير؛ و إذا كان هذا المعنى يتمّ و ينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه.
و قد ذكر أبو القاسم البلخيّ هذا الجواب في تفسيره، و اختاره و قوّاه، و سأل نفسه عليه فقال: كيف جاز أن يقول: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ ، و هو خلق العجلة فيهم!و أجاب بأنّه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم و كفّها، و قد يكون الإنسان مطبوعا عليها و هو مع ذلك مأمور بالتثبّت، قادر على أن يجانب العجلة، و ذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح، و أمره في كثير من الأوقات بالامتناع منه.
و هذا الذي ذكره البلخيّ تصريح بأنّ المراد بالعجل غيره، و هو الطبع الداعي إليه، و الشهوة المتناولة له، و يجب أيضا أن يكون المراد بـ «من» هاهنا «في» ؛ لأنّ شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان، و إنّما تكون فيه. و هذا تجوّز على تجوّز، و توسّع على توسّع، لأنّ القلب أوّلا مجاز، ثمّ هو من بعيد المجاز؛ و ذكر العجل و المراد به غيره مجاز آخر، و إقامة «من» مقام «في» كذلك؛ على أنّه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ أيّ معنى لتقديم قوله: إنّي خلقت شهوة العجلة فيهم، أو الطبع الداعي إليها؛ على ما عبّر