نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٣ - سورة الأنبياء
و وجه آخر: و هو أنّا قد بيّنا في قصة آدم عليه السّلام لمّا تأولنا قوله تعالى: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [١] أنّ المراد بذلك أنّا نقّصناها الثواب و بخسناها حظّها منه؛ لأنّ الظلم في أصل اللغة هو النقص و الثلم، و من ترك المندوب إليه-و هو لو فعله لاستحقّ الثواب-يجوز أن يقال: إنّه ظلم نفسه من حيث نقّصها ذلك الثواب.
و ليس يمتنع أن يكون يونس عليه السّلام أراد هذا المعنى؛ لأنّه لا محالة قد ترك كثيرا من المندوب، فإنّ استيفاء جميع الندب يتعذّر.
و هذا أولي ممّا ذكره من جوّز الصغائر على الأنبياء عليهم السّلام؛ لأنّهم يدّعون أنّ خروجه كان بغير إذن من اللّه تعالى له فكان قبيحا صغيرا و ليس ذلك بواجب على ما ظنّوه؛ لأنّ ظاهر القرآن لا يقتضيه. و إنّما أوقعهم في هذه الشبهة قوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ و قد بيّنا وجه ذلك و أنّه ليس بواجب أن يكون خبرا عن المعصية.
و ليس لهم أن يقولوا كيف يسمّى من ترك النفل بأنّه ظالم؟و ذلك أنا قد بيّنا وجه هذه التسمية في اللغة و إن كان إطلاق اللفظة في العرف لا يقتضيه.
و على من سأل عن ذلك مثله إذا قيل له كيف يسمّي كل من فعل معصية بأنّه ظالم، و إنّما الظلم المعروف هو الضرر المحض الموصل إلى الغير؟فإذا قالوا:
إنّ في المعصية معنى الظلم و إن لم يكن ضررا يوصل إلى الغير، من حيث نقصت ثواب فاعلها.
قلنا: و هذا المعنى يصحّ في الندب، على أن يجري ما يستحق من الثواب مجرى المستحق.
و بعد فإنّ أبا علي الجبّائيّ و كلّ من وافقه في الامتناع من القول بالموازنة في الإحباط لا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب، فعلى أيّ وجه-يا ليت شعري- يجعل معصية يونس عليه السّلام ظلما، و ليس فيها من معنى الظلم شيء؟
و أمّا قوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ [٢] فليس على ما
[١] سورة الأعراف، الآية: ٢٣.
[٢] سورة القلم، الآية: ٤٨.