نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٠ - سورة الكهف
ما يلزم به إزالته عن الوجه الذي وضع له؛ و لذلك يصير ما تكلّم به كأنّه لا حكم له؛ و لذلك يصحّ على هذا الوجه أن يستثنى في الماضي فيقول: قد دخلت الدار إن شاء اللّه، ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم.
و إنّما لم يصحّ دخوله في المعاصي على هذا الوجه؛ لأنّ فيه إظهار الانقطاع إلى اللّه تعالى؛ و المعاصي لا يصحّ ذلك فيها؛ و هذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية. و قد يدخل الاستثناء في الكلام فيراد به اللطف و التسهيل.
و هذا الوجه يخصّ الطاعات، و لهذا الوجه جرى قول القائل: لأقضينّ غدا ما عليّ من الدين، و لأصلّينّ غدا إن شاء اللّه مجرى أن يقول: إنّي أفعل ذلك إن لطف اللّه تعالى فيه و سهّله؛ فعلم أنّ المقصد واحد، و أنّه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع منه هذا الفعل أن يكون حانثا و كاذبا، لأنّه إن لم يقع علمنا أنّه لم يلطف له، لأنّه لا لطف له.
و ليس لاحد أن يعترض هذا بأن يقول: الطاعات لا بدّ فيها من لطف؛ و ذلك لأنّ فيها ما لا لطف فيه جملة، فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عن أنّه لا لطف فيه، و هذا الوجه لا يصحّ أن يقال في الآية أنّه يخص الطاعات؛ و الآية تتناول كلّ ما لم يكن قبيحا؛ بدلالة إجماع المسلمين على حسن الاستثناء ما تضمّنته في كلّ فعل لم يكن قبيحا.
و قد يدخل الاستثناء في الكلام و يراد به التسهيل و الإقدار و التخلية و البقاء على ما هي عليه من الأحوال؛ و هذا هو المراد به إذا دخل في المباحات.
و هذا الوجه يمكن في الآية إلاّ أنه يعترضه ما ذكره أبو عليّ ممّا حكيناه من كلامه.
و قد يذكر استثناء المشيئة أيضا في الكلام و إن لم يرد به في شيء ممّا تقدم؛ بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى اللّه تعالى من غير أن يقصد إلى شيء من الوجوه المتقدّمة. غ