نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٠١ - سورة العنكبوت
قيل لكم: هذه الآية إنّما تكون حجّة و موجبة للعلم إذا صحّت النبوّة، فكيف يجعل نفي الآية دلالة على النبوّة و هو مبنيّ عليها؟
قلنا: الذي يجب أن يعتمد عليه في أنّه عليه السّلام لا يحسن الكتابة و القراءة قبل النبوّة هو أنّه عليه السّلام لو كان يحسنها و قد نطق القرآن الذي أتى بنفي ذلك عنه عليه السّلام قبل النبوّة، لما جاز له أن يخفي الحال فيه مع التتبع و التفتيش و التنقير؛ لأنّ هذه الأمور كلّها إنّما يجوز أن تخفى مع عدم الدواعي إلى كشفها، و مع الغفلة عنها و الإعراض عن تأمّل أحوالها.
و أمّا إذا قويت الدواعي و توفّرت البواعث على كشف حقيقة الحال و تعلّق بذلك دعوى مدّع لمعجزة، فلا بدّ من الفحص و التفتيش، و معها لا بدّ من ظهور حقيقة الحال.
و من كان يحسن القراءة و الكتابة لا بدّ من أن يكون قد تعلّمها أو أخذها من موقف و معرف، و الذين كانوا يحسنون الكتابة من العرب في ذلك الزمان معدودون قليلون فمن تعلم من أحدهم و كشف عن أمره على طول الأيّام، لا بدّ من ظهور حاله بمقتضى العادة. و هذه الجملة تدلّ على أنّه عليه السّلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة.
فإن قيل: فقد وصف اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأنّه أمّي في مواضع من القرآن [١] .
و الامّي: «الذي لا يحسن الكتابة» فكيف تقولون أنّه عليه السّلام أحسنها بعد النبوّة؟
قلنا: أمّا أصحابنا القاطعون على أنّه عليه السّلام كان يحسن الكتابة بعد النبوّة، فإنّهم يجيبون عن هذا السؤال بأن يقولوا: لم يرد اللّه تعالى بقوله؛ «أمّي» أنّه لا يحسن الكتابة، و إنّما أراد اللّه تعالى نسبته إلى أمّ القرى؛ لأنّه من أسماء مكّة «أمّ القرى» ، فإن كانت هذه النسبة محتملة لأمرين، لم يجز أن يقطعوا على أحدهما بغير دليل [٢] .
[١] سورة الأعراف، الآيتان: ١٥٧، ١٥٨.
[٢] الرسائل، ١: ١٠٤.