نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٥ - سورة غافر
فإن قيل: فهلاّ مكّن تعالى بما يصلح للطاعة دون المعصية و الإيمان دون الكفر و الحسن دون القبح.
قيل له: هذا خلف من القول و تناقض في المعنى؛ لأنّ ما مكن به يصلح لجميع ذلك لنفسه وعيد [١] و لأنّه لو اختصّ بالشيء دون تركه و خلافه، لكان الممكّن مطبوعا.
و لو كان مطبوعا لم يصحّ الوصف لفعله بالحسن و القبح و الطاعة و المعصية و الإيمان و الكفر، كما لا يصحّ ذلك في إحراق النار و برد الثلج و هدّ الحجر و جريان الماء[و]لبطل التكليف و الأمر و النهي و المدح و الذمّ و الثواب و العقاب؛ لأنّ جميع هذه الاحكام يثبت مع الايثار و التخيّر، و يرتفع مع الطبع و الخلقة و زوال التخيّر.
فلا بدّ على هذا من تعلّق التمكين بالفعل و تركه و خلافه و ضدّه، ليصحّ الايثار و التخيّر و يطابق ما يقتضيه الحكم من حسن التكليف و توجّه المدح و الثواب إلى المطيع و استحقاقه لهما، فهو الجواب عن التمكين.
و قد بان به أنّ اللّه تعالى لم يمكّن من قتل أنبيائه و رسله و خلفائهم و المؤمنين من أممهم؛ لأنّه جلّ اسمه نهى عن ذلك و زجر عنه و تواعد عليه بأليم العقاب و أمرنا باتّباعهم و طاعتهم[و]الانقياد لهم و الذبّ عنهم، فرغب فيه و دعا إليه و وعد عليه بجزيل الثواب.
فأمّا المنع عنهم و النصرة لهم تسقم [٢] أيضا إلى منع و نصرة يزول معها التكليف و الأمر و النهي و الترغيب و الزجر و الثواب و العقاب، و هو ما أدّى إلى الالجاء و ينافي التخيّر و الايثار.
فهذا الضرب من المنع و النصرة، لا يجوز أن يفعله تعالى مع التكليف، لمنافاته الحكمة، و مباينته لما تقتضيه المصلحة و حسن التدبير، و إلى منع و نصرة يلائم التكليف و الأمر و النهي و الترغيب و الزجر و الثواب و العقاب، و يثبت معه
[١] كذا.
[٢] كذا.