نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٨ - سورة النّور
تعالى قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ ، و ما رأينا أحدا من المفسّرين لهذه الآية-على اختلافهم و ذكر أكثرهم كلّ ما تقتضيه وجوه الإعراب في آيات القرآن-تعرّض لذكر المفعول، و لا قال: إنّه ظاهر و لا مقدّر محذوف يدلّ الكلام عليه. و هذا على كلّ حال تقصير ظاهر.
فأمّا قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ فالمراد به:
فيصيب بضرره من يشاء، و يصرف ضرره عمّن يشاء؛ فإنّ العادة جارية بأنّ البرد يصيب أرضا و يتعدّى ما يجاورها و يلاصقها.
فأمّا قوله تعالى: يَشََاءُ يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ فسنا البرق ضوءه، و هو مقصور، و سناء المجد و الشرف ممدود، و الهاء في «برقه» راجعة إلى البرد أو السحاب؛ فقد جرى ذكر كلّ واحد منهما؛ و يجوز إضافة البرق إليهما.
فأمّا قوله: يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ و قد قرىء «يذهب» بضمّ الياء؛ فالمراد به أنّ البرق من شدّة ضوئه يكاد يذهب بالعيون؛ لأنّ النظر إلى ماله شعاع شديد يضرّ بالعين؛ كعين الشمس و ما أشبهها؛ و القراءة بفتح الهاء أجود مع دخول الباء؛ تقول العرب: ذهبت بالشيء؛ فإذا أدخلوا الألف أسقطوا الباء فقالوا: أذهبت الشيء؛ بغير بإء.
فأمّا قوله يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ فإنّما أراد أنّه يأتي بكلّ واحد منهما بدلا من صاحبه، و معاقبا له؛ لما في ذلك من المصلحة و المنفعة.
فأمّا قوله تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ فإنّما أراد بالعبرة العظة و الاعتبار، و روي عن الحسن أنّه قال: إنّما أراد ذوي أبصار القلوب لا العيون؛ لأنّ العين لا تضاف إليها العبرة و العظة.
و قال الكلبيّ: لأولي الأبصار في الدين. و ردّ قوم على الكلبيّ بأن قالوا:
لو أراد ذلك لقال: لأولي البصائر، لأنّ الدين يقال: فيه بصيرة لا بصر.
و الأولى أن يكون المراد بالأبصار هاهنا العيون، لأنّ بالعيون ترى هذه العجائب التي عدّدها اللّه تعالى، ثمّ يكون الاعتبار و العظة في القلب بها، و يكون