نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٥ - سورة طه
نفسه، و لا يكون سببا في نفسه، و محال أن يقال: عصى فعصى. و لا بدّ أن يراد بما عطف بالفاء غير المعنى الأوّل.
و الخيبة هي حرمان الثواب بالمعصية الّتي هي ترك المندوب و سبب فيها، فجاز أن يعطف عليها. و الغي الّذي هو الفعل القبيح، و لا يجوز عطفه على المعصية و لا أن يكون سببا فيه.
فإن قالوا: ما المانع من أن يريد بعصى أي لم يفعل الواجب من الكف عن الشجرة. و الواجب يستحقّ بالإخلال به حرمان الثواب، كالفعل المندوب إليه، فكيف رجحتم ما ذهبتم إليه على ما ذهبنا نحن إليه؟
قلنا: الترجيح لقولنا ظاهر. إذ الظاهر من قوله تعالى: «عصى فغوى» أن الذي دخلته الفاء جزاء على المعصية، و أنه كلّ الجزاء المستحقّ بالمعصية؛ لأنّ الظاهر من قول القائل: سرق فقطع، و قذف فجلد ثمانين، أن ذلك جميع الجزاء لا بعضه.
و كذا إذا قال القائل: من دخل داري فله درهم، حملناه على أن الظاهر يقتضي أن الدرهم جميع جزائه، و لا يستحقّ بالدخول سواه.
و من لم يفعل الواجب استحقّ الذمّ و العقاب و حرمان الثواب، و من لم يفعل المندوب إليه فهو غير مستحقّ لشيء كان تركه للندب سببا تامّا فيه إلاّ حرمان الثواب فقط. و بينا أن من لم يفعل الواجب ليس كذلك، و إذا كان الظاهر يقتضي أن ما دخلته الفاء جميع الجزاء على ذلك السبب لم يلق إلاّ بما قلناه دون ما ذهبوا إليه، و هذا واضح لمن تدبّره [١] .
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية؟أو ليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء عليه السّلام بأنّهم عصاة في كلّ حال، و أنّهم لا ينفكّون من المعصية؛ لأنّهم لا يكادون ينفكّون من ترك الندب؟.
قلنا: وصف تارك الندب بأنّه عاص توسّع و تجوّز، و المجاز لا يقاس عليه
[١] الرسائل، ١: ١٢٣.