نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٥ - سورة النّور
و السحاب: جمع سحابة؛ و لهذا قال: يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ، أي بين كلّ سحابة و أخرى، و لو كان هاهنا أيضا اسما للجنس لجاز؛ لأنّ الجنس يوصل بعضه ببعض، و يؤلّف بعضه ببعض؛ و إنّما لا يصحّ ذلك في العين الواحدة.
فأمّا الرّكام فهو الذي جعل بعضه فوق بعض؛ و منه قوله تعالى: سَحََابٌ مَرْكُومٌ [١] ؛ و قوله تعالى فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً [٢] .
فأمّا الودق فهو المطر؛ يقال ودق يدق ودقا؛ و كلّ ما قطر منه ماء أو رشح فهو وادق؛ و يقال: استودقت الفرس و الأتان إذا حنّت إلى الفحل و استدعت ماءه؛ و يقال أيضا: أودقت؛ و أتان وديق و ودوق؛ إذا أرادت إنزال الفحل الماء فيها.
و خلال الشيء: خروقه و فروجه؛ و قد قرىء: «من خلله» بغير ألف.
فأمّا قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ فإنّني وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه أراد أنّ في السماء جبالا من برد؛ و فيهم من قال: ما قدره قدر جبال؛ قال: يراد به مقدار جبال من كثرته.
و أبو مسلم بن بحر الأصبهانيّ خاصّة انفرد في هذا الموضع بتأويل طريف؛ و هو أن قال: الجبال ما جبل اللّه من برد، و كلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال؛ ألم تر إلى قوله تعالى في خلق الأمم: وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ [٣] و الناس يقولون: فلان مجبول على كذا.
و وجدت أبا بكر محمّد بن الحسن بن مقسم النحويّ يقول في كتابه المعروف بالأنوار: «و أمّا مِنْ الأولى؛ و الثانية فبمعنى حدّ التنزيل؛ و نسبته إلى الموضع الذي نزّل منه؛ كما يقال: جئتك بكذا، و من بلد كذا؛ و أمّا الثالثة فبمعنى التفسير و التمييز، لأنّ الجبال تكون أنواعا في ملك اللّه تعالى؛ فجاءت مِنْ لتمييز البرد من غيره؛ و تفسير معنى الجبال التي أنزل منها. و قد يصلح في
[١] سورة الطور، الآية: ٤٤.
[٢] سورة الأنفال، الآية: ٣.
[٣] سورة الشعراء، الآية: ١٨٤.