نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٩ - سورة النّمل
و القول فيما حكي عن الهدهد يجري على الوجهين اللذين ذكرناهما في النملة؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما.
و أمّا حكاية أنّه قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ [١] ، و كيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد و هو غير مكلّف و لا يستحقّ مثله العذاب.
فالجواب: أنّ العذاب اسم للضّرر الواقع، و إن لم يكن مستحقّا؛ و ليس يجري مجري العقاب الذي لا يكون إلاّ جزاء على أمر تقدّم. و ليس بممتنع أن يكون معنى «لأعذّبنّه» أي لأؤلمنّه، و يكون اللّه تعالى قد أباحه الإيلام له؛ كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة، كما سخّر له الطير يصرفها في منافعه و أغراضه؛ و كلّ هذا لا ينكر في نبيّ مرسل تخرق له العادات؛ و تظهر على يده المعجزات؛ و إنّما يشتبه على قوم يظنّون أنّ هذه الحكايات تقتضي كون النملة و الهدهد مكلّفين؛ و قد بيّنّا أنّ الأمر بخلاف ذلك [٢] .
[الثاني: استدلّ القاضي بذيل الآية أي قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ الآية على ان سليمان ورث داود علمه دون ماله و إلاّ لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل.
قال السيّد: أما استدلاله هذا]فليس بشيء يعوّل عليه؛ لأنّه لا يمتنع أن يريد أنّه ورث المال بالظاهر و العلم بهذا المعنى من الاستدلال، فليس يجب إذ دلّتنا الدلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على الحقيقة التي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع، على أنّه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصة ثم يقول: إنا مع ذلك علمنا منطق الطير، و يشير بالفضل المبين إلى العلم و المال جميعا، فله بالأمرين جميعا فضل على من لم يكن عليهما و قوله: وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص ما ظنّه [٣] .
[١] سورة النمل، الآية: ١٨.
[٢] الأمالي، ٢: ٢٩٣.
[٣] الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامة، ٤: ٧٩.