نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٧ - سورة مريم
القوم شاهدوا من آثار علمه و حكمته تعالى ما شاهدوا، فأخبرهم تعالى أنّه لم يزل عليما حكيما، أي فلا تظنّوا أنّه استفاد علما و حكمة لم يكن عليهما.
و ممّا يقوي مذهب من وضع لفظة الماضي في موضع الحال و الاستقبال قوله تعالى: إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ [١] و قوله تعالى: وَ نََادىََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ [٢] ؛ و قولهم في الدعاء: غفر اللّه لك، و أطال بقاك!و ما جرى مجرى ذلك.
و معنى الكلّ يفعل اللّه ذلك بك؛ إلاّ أنّه لمّا أمن اللبس وضع لفظ الماضي في موضع المستقبل، قال الشاعر:
فأدركت من قد كان قبلي و لم أدع # لمن كان بعدي في القصائد مصعدا
أراد لمن يكون بعدي.
و ممّا جعلوا فيه المستقبل في موضع الماضي قول الصّلتان العبديّ يرثي المغيرة بن المهلّب:
قل للقوافل و الغزاة إذا غزوا # و الباكرين و للمجدّ الرّائح
إنّ الشّجاعة و السّماحة ضمّنا # قبرا بمرو على الطّريق الواضح
فإذا مررت بقبره فأعقر به # كوم الجلاد و كلّ طرف سابح
و انضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم و ذبائح
معناه: فلقد كان كذلك [٣] .
- أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [مريم: ٣٨].
[إن سأل سائل]فقال: ما تأويل هذه الآية؟فإن كان المراد بها التعجّب من قوّة أسماعهم و نفاذ أبصارهم؛ فكيف يطابق ما خبّر به عنهم في مواضع كثيرة من الكتاب بأنّهم لا يبصرون و لا يسمعون و أنّ على أسماعهم و أبصارهم غشاوة؟
[١] سورة المائدة، الآية: ١١٠.
[٢] سورة الأعراف، الآية: ٤٤.
[٣] الأمالي، ٢: ١٧٠.