نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٦٦ - سورة الضّحى
أولها: أنّه أراد: وجدك ضالاّ عن النبوّة فهداك إليها، أو عن شريعة الإسلام الّتي نزلت عليه و أمر بتبليغها إلى الخلق، و بارشاده صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى ما ذكرناه أعظم النعم عليه. و الكلام في الآية خارج مخرج الإمتنان و التذكير بالنعم.
و ليس لأحد أن يقول: إنّ الظاهر بخلاف ذلك؛ لأنّه لا بدّ في الظاهر من تقدير محذوف يتعلّق به الضلال؛ لأنّ الضلال هو الذهاب و الانصراف فلا بدّ من أمر يكون منصرفا عنه، فمن ذهب إلى أنّه أراد الذهاب عن الدين فلا بدّ له من أن يقدّر هذه اللفظة ثمّ يحذفها ليتعلّق بها لفظ الضلال، و ليس هو بذلك أولى منّا فيما قدّرناه و حذفناه.
و ثانيها: أن يكون أراد الضلال عن المعيشة و طريق الكسب؛ يقال للرجل الّذي لا يهتدي طريق معيشته و وجه مكسبه: «هو ضالّ لا يدري ما يصنع و لا اين يذهب» ، فامتنّ اللّه تعالى عليه بأن رزقه و أغناه و كفاه.
و ثالثها: أن يكون أراد: وجدك ضالاّ بين مكّة و المدينة عند الهجرة فهداك و سلّمك من أعدائك. و هذا الوجه قريب لو لا أنّ السورة مكية و هي متقدّمة للهجرة إلى المدينة، اللهم إلاّ أن يحمل قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ على أنّه سيجدك على مذهب العرب في حمل الماضي على معنى المستقبل فيكون له وجه.
و رابعها: أن يكون أراد بقوله: وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىََ أي مضلولا عنه في قوم لا يعرفون حقّك فهداهم إلى معرفتك و أرشدهم إلى فضلك. و هذا له نظير في الاستعمال؛ يقال: فلان ضالّ في قومه و بين أهله إذا كان مضلولا عنه.
و خامسها: أنّه روي في قراءة هذه الآية الرفع: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىََ (٦) وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىََ (٧) على أنّ اليتيم وجده و كذلك الضالّ، و هذا الوجه ضعيف؛ لأنّ القراءة غير معروفة؛ و لأنّ هذا الكلام يسمج و يفسد أكثر معانيه [١] .
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١٥٠.