نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨١ - سورة النّمل
و قد يحكي العربي عن الفارسي كلاما مرتّبا مهذّبا ما نطق به الفارسي و إنّما أشار إلى معناه.
فقد زال التعجب من الموضعين معا، و أيّ شيء أحسن و أبلغ و أدلّ على قوّة البلاغة و حسن التصرّف في الفصاحة من أن تشعر نملة لباقي النمل بالضرر لسليمان و جنده بما تفهم به أمثالها عنها، فتحكي هذا المعنى الذي هو التخويف و التنفير بهذه الألفاظ المونقة و الترتيب الرائق الصادق. و إنّما يضلّ عن فهم هذه الأمور و سرعة الهجوم عليها من لا يعرف مواقع الكلام الفصيح و مراتبه و مذاهبه [١] .
- وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كََانَ مِنَ اَلْغََائِبِينَ (٢٠) `لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ (٢١) `فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقََالَ أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) [النمل: ٢٠-٢٢].
ما يحيل لكون هدهد سليمان عليه السّلام عاقلا من طريقة العقول؟ليسوغ الانصراف عن ظواهر ما حكاه اللّه تعالى عنه من الأقوال و الأفعال الدالّة بظاهرها القوي أنّه ذو عقل يساوي عقول المكلفين.
و أقوى ذلك قول سليمان عليه السّلام: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ و هذا وعيد عظيم لا يجوز توجّهه إلى غير ملوم على الخطأ، المقصور فهمه عن فهم المكلّفين.
و كيف يجوز أن يوجب عليه مثل ذلك؟لعدم البرهان المبين، و هو الحجّة الواضحة التي يقيم عذره، و يسقط الملامة عنه، و قد كان له أن يذبحه من غير هذا الشرط على مقتضى ما أجاب به سيدنا «حرسه اللّه تعالى» من قبل، أنّ ذلك كان مباحا له.
فلو لا أنّ العذاب هاهنا و الذبح جاريان مجرى العقاب، لما اشترطه في وجوبهما عليه عدم البرهان، و في سقوطهما عند حصوله.
[١] الرسائل، ١: ٣٥٥.