نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٦ - سورة القيامة
و يدلّ أيضا: على ذلك قولهم «نظرت إلى الهلال فلم أره» ، و «نظرت كذا فما رأيته» ، كما تقولون: «أصغيت إليه فلم أسمعه» و «ذقته فلم أجد له طعما» ، فلو كان النظر هو الرؤية لكان هذا الكلام يتضمّن النفي و الإثبات للشيء الواحد.
و يقوّي أيضا ما ذكرناه انّا نعلم بالمشاهدة كون الناظر ناظرا إذا كان محدقا نحو الشيء، و لا نعلمه رائيا له إذا كان المرئي خفيا ملتبسا، و لهذا يحتاج في أنّه راء له إلى الرجوع إلى قوله، و لا يحتاج إلى ذلك في كونه ناظرا، و لهذا يقولون: «رأيته ينظر إلى كذا» و لا يقولون: «رأيته يرى كذا» .
و يدلّ أيضا عليه: أنّ أهل اللغة جعلوا للنظر أصنافا من حيث عرّفوه، و جرى في الحكم مجرى ما يشاهدونه، فقالوا: «نظر غضبان» و «نظر راض» و «نظر شرر» و «نظر متعة» و «نظر بغضة» و لم نجدهم صنّفوا للرؤية أصنافا، و لا جعلوها ضروبا، فيجب أن يكون المختلف الضروب عندهم غير ما هو شيء واحد، و لهذا لا يسمع من أحد منهم «رؤية محبّ» و «رؤية راض» ، و لا أن يبدّلوا لفظة «النظر» في المواضع التي ذكرناها بلفظ الرؤية، فدلّ على أنّ الفائدة فيهما مختلفة.
و النظر عندنا هو تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئيّ أو مكانه طالبا لرؤيته، و هذه الفائدة لا تصحّ فيه تعالى، فينبغي أن ينفى عن الآية فائدة النظر المختصّة بالغير، و يحمل ذلك على ما يصحّ من الانتظار أو غيره.
على أنّا لو سلّمنا لهم أنّ النظر يفيد الرؤية و أنّها إحدى فوائده، لم يسلّم استدلالهم أيضا بالآية؛ لأنّ لفظ «النظر» لها فوائد كثيرة من الذكر و الاعتبار و التعطّف و الانتظار، فما المنكر من أن يريد بها في الآية الانتظار، و لا شبهة في أنّ الانتظار ممّا يفاد بهذه اللفظة، قال اللّه تعالى: وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنََاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ اَلْمُرْسَلُونَ [١] ، و يقول القائل: «إنّما أنظر إلى اللّه و إليك» و لا يريد إلاّ الانتظار، و قال الشاعر:
[١] سورة النمل، الآية: ٣٥.