نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥ - سورة الأسراء
الإعادة؛ كما أنّها معدومة في الابتداء، و يجعل ذلك نظيرا لقوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [١] ، و يتأوّل قوله تعالى: فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ على أنّ معناه الإخبار عن قوّة المعرفة، و أنّ الجاهل باللّه في الدنيا يكون عارفا في الآخرة؛ و العرب تقول: «فلان بصير بهذا الأمر» و «زيد أبصر بكذا من عمرو» و لا يريدون إبصار العين، بل العلم و المعرفة؛ و يشهد بهذا التأويل قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ ، أي: كنت غافلا عمّا أنت الآن عارف به، فلمّا أن كشفنا عنك الغطاء بأن أعلمناك و فعلنا في قلبك المعرفة عرفت و علمت.
فأمّا الخبر الذي تدّعي روايته فهو خبر واحد، و لا حجّة في مثله؛ و إذا عرف لفظه ربّما أمكن تأوّله على ما يطابق هذا الجواب، و من ذهب إلى الأجوبة الأول يجعل العمى الأوّل و الثاني معا غير الآفة في العين، فإن عورض بقوله تعالى: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أَعْمىََ [٢] تأوّله على العمى عن الثواب أو عن الحجّة، و قال في قوله تعالى: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمىََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً [٣] إن معناه:
كنت بصيرا في اعتقادي و ظنّي، من حيث كنت أرجو الهداية إلى الثواب و طريق الجنّة.
و المحصّل من هذه الجملة أنّه لا يجوز أن يراد بالعمى الأوّل و الثاني جميعا الآفة في العين؛ لأنّه يؤدي إلى أنّ كلّ من كان مؤوف البصر في الدنيا، من مؤمن و كافر و طائع و عاص يكون كذلك في الآخرة، و هذا باطل و بمثله يبطل أن يراد بلفظه «أعمى» الثانية المبالغة بمعنى أفضل من فلان، و يبطله أيضا أنّ العمى الذي هو الخلقة لا يتعجّب منه بلفظة «أفعل» و إنّما يقال: ما أشدّ عماه!و لا يجوز أن يراد بالعمى الأولى العين و الثاني العمى عن الثواب أو الجنّة أو الحجّة، لأنّا نعلم أنّ فيمن عميت عينه في الدنيا من يستحقّ الثواب، و يوصل
[١] سورة الروم، الآية: ٢٧.
[٢] سورة طه، الآية: ١٢٤.
[٣] سورة طه، الآية: ١٢٥.