نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧١ - سورة الشعراء
الجواب: أوّل ما نقوله: إنّ الذي ظنّه السائل من كون الآيتين خبرا عن قصة واحدة باطل، بل الحالتان مختلفتان؛ فالحال[التي أخبر عن العصا فيها بصفة الجانّ]كانت في ابتداء النبوّة، و قبل مصير موسى عليه السّلام إلى فرعون، و الحال التي صار العصا عليها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون و إبلاغه الرسالة؛ و التلاوة تدلّ على ذلك؛ و إذا اختلفت القصّتان فلا مسألة.
على أن قوما من المفسّرين قد تعاطوا الجواب على هذا السؤال: إمّا لظنّهم أنّ القصة واحدة، أو لاعتقادهم أنّ العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب في حالين: تارة إلى صفة الجانّ، و تارة إلى صفة الثعبان؛ أو على سبيل الاستظهار في الحجّة، و أنّ الحال لو كانت واحدة على ما ظنّ لم يكن بين الآيتين تناقض؛ و هذا الوجه أحسن ما تكلّفوا الجواب لأجله؛ لأنّ الأولين لا يكونان إلاّ عن غلط أو غفلة، و ذكروا وجهين تزول بكلّ واحد منهما الشبهة من تأويلها:
أحدهما: أنّه تعالى إنّما شبّهها بالثعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها، و كبر جسمها، و هول منظرها؛ و شبّهها في الآية الأخرى بالجانّ لسرعة حركتها و نشاطها و خفّتها؛ فاجتمع لها-مع أنّها في جسم الثعبان و كبر خلقه-نشاط الجانّ، و سرعة حركته؛ و هذا أبهر في باب الإعجاز، و أبلغ في خرق العادة؛ و لا تناقض معه بين الآيتين؛ و ليس يجب إذا شبّهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، و إذا شبّهها بالجانّ أن يكون لها جميع صفاته، و قد قال اللّه تعالى: وَ يُطََافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوََابٍ كََانَتْ قَوََارِيرَا (١٥) `قَوََارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [١] . و لم يرد تعالى أنّ الفضّة قوارير على الحقيقة؛ و إنّما وصفها بذلك لأنّه اجتمع لها صفاء القوارير و شفوفها و رقّتها، مع أنّها من فضّة؛ و قد تشبّه العرب الشيء بغيره في بعض وجوهه؛ فيشبّهون المرأة بالظّبية و بالبقرة و نحن نعلم أنّ في الظباء و البقر من الصّفات ما لا يستحسن أن يكون في النساء، و إنّما وقع التشبيه في صفة دون صفة، و من وجه دون وجه.
[١] سورة الإنسان، الآيتان: ١٥، ١٦.