نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠ - سورة الأسراء
الكثير من مالي، و أبحته المنيع من حريمي، و بذلت له العريض من جاهي» ، و ليس يريدون أنّني أعطيته شيئا من مالي و ادّخرت عنه شيئا آخر منه، و لا أبحته منيع حريمي و لم أبح ما ليس يمنعها، و لا بذلت له عريض جاهي و منعت ما ليس بعريض، و إنّما المعزي بذلك و القصد: انّني أعطيته مالي و من صفته أنه كثير، و بذلت له جاهي و من صفته أنه عريض.
و له نظائر في القرآن كثيرة، و في أشعار العرب و محاوراتها، و هو باب معروف لا يذهب على من أنس بمعرفة لحن كلامهم، و نحن نذكر منه طرفا لأنّ استيعاب الجميع يطول:
فممّا يجري المجرى قوله تعالى: اَللََّهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا [١] و لم يرد أنّ لها عمدا لا ترونها بل أراد نفي العمد على كلّ حال.
و قال تعالى: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ لاََ بُرْهََانَ لَهُ بِهِ [٢] .
و لم يرد أنّ لأحد برهانا في دعاء اللّه مع اللّه تعالى، بل أراد أنّ من فعل ذلك فقد فعل ما لا برهان عليه.
و قوله تعالى: فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ قَتْلِهِمُ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [٣] و لم يرد تعالى أنّ فيمن يقتل من الأنبياء من يقتل بحقّ، بل المعنى ما ذكرناه و بيّناه.
و مثله قوله: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً [٤] ، و لم يرد النهي عن الثمن القليل دون الكثير، بل نهى تعالى عن أخذ جميع الأثمان عنها و الأبدال، و وصف ما يؤخذ عنها بالقلة.
و قال سويد بن أبي كأهل:
من أناس ليس في أخلاقهم # عاجل الفحش و لا سوء الجزع [٥]
[١] سورة الرعد، الآية: ٢.
[٢] سورة المؤمنون، الآية: ١١٧.
[٣] سورة النساء، الآية: ١٥٥.
[٤] سورة البقرة، الآية: ٤١.
[٥] من قصيدة في المفضليات ص ١٩١-٢٠٢.