نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤٧ - سورة التّكوير
تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ ؛ أي ما تشاؤون الاستقامة إلاّ و اللّه تعالى مريد لها؛ و نحن لا ننكر أن يريد اللّه تعالى الطاعات؛ و إنّما أنكرنا إرادته المعاصي؛ و ليس لهم أن يقولوا: تقدّم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها؛ و لا يمنع من عمومه؛ كما أنّ السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعدّاه، و ذلك أنّ الّذي ذكروه إنّما يجب فيما يستقلّ بنفسه من الكلام دون ما لا يستقلّ.
و قوله تعالى: وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ لا ذكر للمراد فيه؛ فهو غير مستقلّ بنفسه؛ و إذا علّق بما تقدّم من ذكر الاستقامة استقلّ؛ على أنّه لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنّوه-و ليس لها ذلك-لوجب الانصراف عنه بالأدلّة الثابتة؛ على أن اللّه تعالى لا يريد المعاصي و لا القبائح؛ على أنّ مخالفينا في هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم؛ لأنّ العباد قد يشاؤون عندهم ما لا يشاؤه اللّه تعالى؛ بأن يريدوا الشيء و يعزموا عليه، فلا يقع لمنع أو غيره؛ و كذلك قد يريد النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من الكفّار الإيمان، و تعبّدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه؛ و إن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنّه لا يقع؛ فلا بدّ لهم من تخصيص الآية؛ فإذا جاز لهم ذلك بالشّبهة جاز لنا مثله بالحجّة؛ و تجرى هذه الآية مجري قوله تعالى: إِنَّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلىََ رَبِّهِ سَبِيلاً [١] وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [٢] ، و قوله تعالى: وَ مََا يَذْكُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [٣] ، في تعلّق الكلام بما قبله.
فإن قالوا: فالآية تدلّ على مذهبنا و بطلان مذهبكم من وجه آخر؛ و هو أنّه عزّ و جلّ قال: وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ ؛ و ذلك يقتضي أنّه يشاء الاستقامة في حال مشيئتنا لها؛ لأنّ «أن» الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال؛ و هذا يوجب أنّه يشاء أفعال العباد في كلّ حال، و يبطل ما تذهبون إليه من أنّه إنّما يريد الطاعات في حال الأمر.
[١] سورة المزمل، الآية: ١٩.
[٢] سورة الإنسان، الآية: ٣٠.
[٣] سورة المدثر، الآية: ٥٦.