نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩٠ - سورة القصص
المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح و لا يستحقّ عليه العوض به، و لا فرق بين أن تكون المدافعة من الإنسان عن نفسه، و بين أن يكون عن غيره في هذا الباب، و الشرط في الأمرين أن يكون الضرر غير مقصود، و أن يكون القصد كلّه إلى دفع المكروه و المنع من وقوع الضرر، فإن أدّى ذلك إلى ضرر فهو غير قبيح.
و من العجب، أنّ «أبا علي الجبّائيّ» ذكر هذا الوجه في تفسيره، ثمّ نسب مع ذلك موسى عليه السّلام إلى أنّه فعل معصية صغيرة، و نسب معصيته إلى الشيطان، و قد قال في قوله: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي أي في هذا الفعل الّذي لم تأمرني به، و ندم على ذلك و تاب إلى اللّه منه؛ فيا ليت شعري، ما الّذي فعل بما لم يؤمر به، و هو إنّما دافع الظالم و مانعه، و وقعت الوكزة منه على وجه الممانعة من غير قصد. و لا شبهة في أنّ اللّه تعالى أمره بدفع الظلم عن المظلوم، فكيف فعل ما لم يؤمر به؟و كيف يتوب من فعل الواجب؟و إذا كان يريد أن ينسب المعصية إليه فما الحاجة به إلى ذكر المدافعة و الممانعة، و له أن يجعل الوكزة مقصودة على وجه تكون المعصية به صغيرة؟
فإن قيل: أ ليس لا بدّ أن يكون قاصدا إلى الوكزة و إن لم يكن مريدا بها إتلاف النفس؟
قلنا: ليس يجب ما ظننته، و كيف يجعل الوكزة مقصودة؟و قد بيّنا الكلام علي أن القصد كان إلى التخليص و المدافعة، و من كان إنّما يريد المدافعة لا يجوز أن يقصد إلى شيء من الضرر، و إنّما وقعت الوكزة و هو لا يريدها، إنّما أراد التخليص، فأدّى ذلك إلى الوكزة و القتل.
و وجه آخر: و هو أنّ اللّه تعالى كان عرّف موسى عليه السّلام استحقاق القبطيّ للقتل بكفره، و ندبه إلى تأخير قتله إلى حال التمكّن، فلمّا رأى موسى عليه السّلام منه الإقدام على رجل من شيعته تعمّد قتله تاركا لما ندب إليه من تأخير قتله.
فأما قوله: هََذََا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ ففيه وجهان: