نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥٩ - سورة البلد
وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ : إنّهما الثديان، فقال عليه السّلام: لا، إنهما الخير و الشرّ.
و روي عن الحسن أنّه قال: بلغني أنّ رسول للّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: «أيها الناس، إنّهما نجدان: نجد الخير و نجد الشر، فما جعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير» .
و روي عن قوم آخرين أنّ المراد بالنّجدين ثديا الأمّ.
فإن قيل: كيف يكون طريق الشرّ مرتفعا كطريق الخير، و معلوم أنّه لا شرف و لا رفعة في الشرّ؟.
قلنا: يجوز أن يكون إنّما سمّاه نجدا لظهوره و بروزه لمن كلّف اجتنابه؛ و معلوم أنّ الطريقتين جميعا باديان ظاهران للمكلّفين. و يجوز أيضا أن يكون سمّي طريق الشرّ نجدا من حيث يحصل في اجتناب سلوكه و العدول عنه الشرف و الرفعة؛ كما يحصل مثل ذلك في سلوك طريق الخير؛ لأنّ الثواب الحاصل في اجتناب طريق الشرّ كالثواب في سلوك طريق الخير.
و قال قوم: إنّما أراد بالنجدين أنّا بصرناه و عرفناه ما له و عليه، و هديناه إلى طريق استحقاق الثواب؛ و ثنّى النجدين على طريق عادة العرب في تثنية الأمرين إذا اتّفقا في بعض الوجوه، و أجرى لفظة أحدهما على الآخر، كما قيل في الشمس و القمر: القمران، قال الفرزدق:
لنا قمراها و النّجوم الطّوالع [١]
و لذلك نظائر كثيرة.
فأمّا قوله تعالى: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون فَلاَ بمعنى الجحد و بمنزلة «لم» ، أي فلم يقتحم العقبة؛ و أكثر ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ «لا» ؛ كما قال سبحانه: فَلاَ
[١] ديوانه: ٥١٩؛ صدره:
أخذنا بآفاق السّماء عليكم