نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٥ - سورة الشّورى
أن يكلّمهم على سبيل ما كلّم به موسى، و هذا الكلام هو خلاف الوحي الذي ذكره اللّه تعالى في أوّل الآية لأنّه قد أفصح تعالى لهم في هذا الكلام بما أمرهم به و نهاهم عنه. و الوحي الذي ذكره تعالى في أوّل الآية إنّما هو تنبيه و خاطر، و ليس فيه إفصاح.
و هذا الذي ذكره أبو علي أيضا سديد، و الكلام محتمل لما ذكره.
و يمكن في الآية وجه آخر: و هو أن يكون المراد بالحجاب البعد و الخفاء، و نفي الظهور. و قد تستعمل العرب لفظة «الحجاب» فيما ذكرناه؛ يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه، و استبطأ فطنته: بيني و بينك حجاب، و تقول للأمر الذي تستبعده و تستصعب طريقه؛ بيني و بين هذا الأمر حجب و موانع و سواتر؛ و ما جرى مجرى ذلك؛ فيكون معنى الآية: أنّه تعالى لم يكلّم البشر إلاّ وحيا؛ بأن يخطر في قلوبهم، أو بأن ينصب لهم أدلّة تدلّهم على ما يريده أو يكرهه منهم؛ فيكون من حيث نصبها للدلالة على ذلك و الإرشاد إليه مخاطبا و مكلّما للعباد بما يدلّ عليه. و جعل هذا الخطاب من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا- كما يسمع الخاطر و قول الرسول-و لا ظاهرا معلوما لكلّ من أدركه؛ كما أنّ أقوال الرسل المؤدّين عنه تعالى من الملائكة بهذه الصفة. فصار الحجاب هاهنا كناية عن الخفاء و عبارة عمّا تدلّ عليه الدلالة. و ليس لأحد أن يقول: إنّ الذي تدلّ عليه الأجسام من صفاته تعالى و أحواله و مراده. و لا يقال: إنّه تعالى مكلّم لنا به و ذلك أنّ غير ممتنع على سبيل التجوّز أن يقال فيما يدلّ عليه الدليل الذي نصبه اللّه تعالى ليدلّ على مراده، و يرشد إليه: إنّه مكلّم لنا و مخاطب به؛ و لا يمتنع المسلمون أن يقولوا: إنّه تعالى خاطبنا بما دلّت عليه الأدلة العقلية، و أمرنا بعبادته و اجتناب ما كرهه منا، و فعل ما أراده، و هكذا يقولون فيمن فعل فعلا يدل على أمر من الأمور: قد خاطبنا فلان بما فعل من كذا و كذا، و قال لنا، و أمرنا؛ و زجرنا، و ما أشبه ذلك من الألفاظ التي يجرونها على الكلام الحقيقي.
و هذا الاستعمال أكثر و أظهر من أن يورد أمثاله و نظائره [١] .
[١] الأمالي، ٢: ١٧٧.
غ