نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٨ - سورة الفتح
قلنا: أحكام الكفر تختلف و إن شملهم اسم الكفر؛ لأنّ فيهم من يقتل و لا يستبقى، و فيهم من يؤخذ منه الجزية و لا يحلّ قتله إلا بسبب طار غير الكفر، و منهم من لا يجوز نكاحه بإجماع، و منهم من يجوز نكاحه على مذهب أكثر المسلمين، فعلى هذا يجوز أن يكون هؤلاء القوم كفّارا و إن لم يسر فيهم بجميع سيرة أهل الكفر؛ لأنّا قد بيّنّا أحكام الكفّار، و نرجع في أن حكمهم مخالف لأحكام الكفّار إلى فعله عليه السّلام و سيرته فيهم، على انا لا نجد من الفسّاق من حكمه أن يقتل مقبلا و لا يقتل موليا و لا يجهز على جريحه إلى غير ذلك من الأحكام التي سير بها في أهل البصرة و صفين.
فإذا قيل في جواب ذلك: أحكام الفسق مختلفة، و فعل أمير المؤمنين عليه السّلام هو الحجّة في أن حكم أهل البصرة و صفين ما فعله.
قلنا: مثل ذلك حرفا بحرف، و يمكن مع تسليم أن الداعي لهؤلاء المخلفين أبو بكر أن يقال: ليس في الآية دلالة على مدح الداعي و لا على إمامته؛ لأنّه يجوز أن يدعو إلى الحقّ و الصواب من ليس عليهما، فيلزم ذلك الفعل من حيث كان واجبا في نفسه لا بدعاء الداعي إليه، و أبو بكر إنّما دعى إلى دفع أهل الردّة إلى الاسلام [١] ، و هذا يجب على المسلمين بلا دعاء داع و الطاعة فيه طاعة اللّه، فمن أين أن الداعي كان على حقّ و صواب و ليس في كون ما دعا إليه طاعة ما يدلّ على ذلك؟و يمكن أيضا أن يكون قوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إنّما أراد به دعاء اللّه تعالى لهم بإيجاب القتال عليهم؛ لأنّه إذا دلّهم على وجوب قتال المرتدين و دفعهم عن بيضة الإسلام فقد دعاهم إلى القتال، و وجبت عليهم الطاعة، و وجب لهم الثواب إن أطاعوا، و هذا أيضا وجه تحتمله الآية [٢] .
- يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ [الفتح: ١٥].
أنظر البقرة: ٢٦، ٢٧ من الرسائل، ٢: ١٧٧ إلى ٢٤٧.
[١] في نسخة «عن أهل الإسلام» .
[٢] الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّه، ٤: ٣٦ و راجع أيضا الرسائل، ٣: ١٠٨.