نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٣٠ - سورة النّور
قلنا: هذا أولا خبر واحد غاية حاله-إذا سلم من كلّ قدح-أن يوجب الظنّ، و أخبار الآحاد لا يخصّ بها ظواهر الكتاب الموجبة للعلم، و إذا سلّمناه فليس فيه أكثر من خلّو الخبر من ذكر الجلد، و ذلك لا يسقط وجوبه، ألا ترى أنّهم كلّهم يدفعون استدلال من استدلّ على أنّ الشهادة في النكاح ليست بواجبة بأن يقول: إنّ اللّه تعالى ذكر النكاح في مواضع من الكتاب، و لم يذكر الشهادة في آيات النكاح، و لا شرطها بأن يقولوا عدم ذكر الشهادة في آيات النكاح لا يدلّ على أنّها ليست بواجبة، و ما سبيل المحتجّ بذلك إلاّ كسبيل من قال: إنّ الوضوء ليس بواجب؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها [١] ، و لم يذكر الوضوء و لم يشرطه هاهنا، و لم يدلّ نفي إشتراطه على نفي وجوبه.
فإن احتجّ المخالف بما رواه قتادة، عن سمرة عن الحسن بن محمد أنّ جابرا قال: كنت فيمن رجم ماعزا و لم يجلده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم [٢] فالجواب عن ذلك: أنّ هذا أيضا خبر واحد لا يخصّص به ظواهر الكتاب الموجبة للعلم، و قد طعن في هذا الخبر؛ لأنّ قتادة دلسه، و قال عن سمرة و لم يقل: حدثني، و بعد فإنّ هذه شهادة بنفي و لا يتعلّق إلاّ بعلمه، كأنّه قال: لم أعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم جلده، و فقد علمه بذلك لا يدلّ على أنّه لم يكن، و غير ممتنع أن يجلده من حيث لا يعلم، فظاهر الخبر أنّ جابر عني بقوله: كنت فيمن رجم ماعزا، و لم يجلده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إنّما أراد لم يجلده في المجلس الذي رجم فيه؛ لأنّه قال: «كنت فيمن رجم و لم يجلده النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» و لو كان قصده إلى نفي الجلد على كلّ حال لم يكن في قوله: «كنت فيمن رجم» معنى؛ ألا ترى أنّ رجلا لو قال: ما أكل عمرو الطعام و هو يريد منذ ثلاثة أيّام لم يجز أن يقوي قوله: فانّي كنت معه طول البارحة فلم يطعم، و إنّما يحسن هذا القول منه إذا كان يريد نفي أكله مدّة ملازمته له.
[١] سنن ابن ماجة، ١: ٢٢٨ ح ٦٩٨.
[٢] المغني (لابن قدامة) ، ١٠: ١٢٥.
غ