نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣ - سورة الأسراء
و المنافع الدنيوية، ألا ترى قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ و الكرامة إنّما هي الترفيه و ما يجري مجراه، ثمّ قال: وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ .
و لا شبهة في أنّ الحمل لهم في البرّ و البحر و رزق الطيبات خارج عمّا يستحقّ به الثواب، و يقتضي التفضيل الذي وقع الخلاف فيه، فيجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا في هذا الباب و في هذا القبيل، فإنّه أشبه من أن يراد به غير ما سياق الآية وارد به و مبنيّ عليه. و أقلّ الأحوال أن تكون لفظة «فضلناهم» محتملة للأمرين، فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما تذهب إليه [١] .
- وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمىََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء: ٧٢].
[إن سأل سائل]فقال: كيف يجوز أن يكونوا في الآخرة عميا، و قد تظاهر الخبر عن الرسول «عليه و آله السلام» بأنّ الخلق يحشرون كما بدئوا سالمين من الآفات و العاهات، قال اللّه تعالى: كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [٢] ، و قال عزّ و جلّ: كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [٣] ، و قال جلّ و علا: فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ [٤] .
الجواب: يقال في هذه الآية أربعة أجوبة:
أحدها: أن يكون العمي الأوّل إنّما هو عن تأمّل الآيات، و النظر في الدّلالات و العبر التي أراها اللّه المكلّفين في أنفسهم و فيما يشاهدون، و يكون العمي الثاني هو عن الإيمان بالآخرة، و الإقرار بما يجازى به المكلّفون فيها من ثواب أو عقاب، و قد قال قوم: إنّ الآية متعلّقة بما قبلها من قوله تعالى: رَبُّكُمُ اَلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ اَلْفُلْكَ فِي اَلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [٥] إلى قوله تعالى: * وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلىََ
[١] الرسائل، ٢: ١٦٤.
[٢] سورة الأعراف، الآية: ٢٩.
[٣] سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤.
[٤] سورة ق، الآية: ٢٢.
[٥] سورة الإسراء، الآية: ٦٦.