نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٩ - سورة الحشر
معاده و تدبّره، فيقال: إنّه غير معتبر أو هو قليل الاعتبار. و قد يستوي في المعرفة بحال الشيء و إثبات حكمه نفسان، فيوصف أحدهما بالاعتبار دون الآخر على المعنى الّذي ذكرناه. و لهذا يقولون عند الأمر العظيم: «إنّ في هذا لعبرة» و قال اللّه تعالى: وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْأَنْعََامِ لَعِبْرَةً [١] و ما روي عن ابن عبّاس خبر واحد لا يثبت بمثله اللّغة.
ثمّ لو صحّ، لكان محمولا على المجاز بشهادة الاستعمال الّذي ذكرناه.
على أنّا لو سلمنا جواز استعمال الاعتبار، لم يكن في الآية دلالة إلاّ على ما ذكر فيها من أمر الكفّار، و ظنّهم أنّ حصونهم تمنعهم من اللّه تعالى و وقوع ما وقع بهم. و كأنّه قال تعالى: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ و ليس يليق هذا الموضع بالقياس في الأحكام الشرعيّة؛ لأنّه تعالى لو صرّح عقيب ما ذكره من حال الكفّار بأن قال: قيسوا في الأحكام الشرعيّة و اجتهدوا، لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه، و لا يليق بعضه ببعض، فثبت أنّه أراد الاتّعاظ و التفكّر.
على أنّه يمكن أن يقال لهم: على تسليم تناول اللّفظ للقياس بإطلاقها، ما تنكرون أنّا نستعمل موجب الآية بأن نقيس الفروع على الأصول في أنّنا لا نثبت لها الأحكام إلاّ بالنصوص؛ لأنّ هذا أيضا قياس، فقد ساويناكم في التعلّق بالآية، فمن أين لكم أنّ القياس الّذي تناولته الآية هو ما يذكرونه دون ما ذكرناه، و كلاهما قياس على الحقيقة؟!.
و ليس يمكنهم أن يقولوا: نجمع بين الأمرين؛ لأنّهما يتنافيان، و الجمع بينهما لا يصحّ.
و لا لهم أيضا أن يقولوا: قولنا أرجح من حيث كان فيه إثبات الأحكام، و قولكم فيه نفي لها، و ذلك لأنّ الترجيح بما ذكروه إنّما يصحّ متى ثبت كلا وجهي القياس، فيصحّ الترجيح و التقوية، فأمّا الخلاف فيهما هل يثبتان أو يثبت أحدهما؟؛ فلا طريق للترجيح.
[١] سورة النحل، الآية: ٦٦.