نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٩ - سورة الحجّ
لأنّه يقع بوسوسته و غروره، ثمّ بيّن أنّ اللّه تعالى يزيل ذلك و يدحضه بظهور حجّته و ينسخه و يحسم مادّة الشبهة به. و إنّما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا كذب المشركون عليه، و أضافوا إلى تلاوته مدح آلهتهم ما لم يكن فيها.
و إن كان المراد تمنّي القلب، فالوجه في الآية أنّ الشيطان متى تمنّى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بقلبه بعض ما يتمّناه من الأمور، يوسوس إليه بالباطل و يحدّثه بالمعاصي و يغريه بها و يدعوه إليها، و أنّ اللّه تعالى ينسخ ذلك و يبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان و عصيانه و ترك إسماع غروره.
و أمّا الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل عليهم السّلام عنه. هذا لو لم يكن في أنفسها مطعونة مضعفّه عند أصحاب الحديث بما يستغني عن ذكره. و كيف يجيز ذلك على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من يسمع اللّه تعالى يقول: كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ [١] يعني القرآن. و قوله تعالى:
وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ (٤٤) `لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) `ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ (٤٦) [٢] .
و قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسىََ [٣] ؟على أنّ من يجيز السهو على الأنبياء عليهم السّلام يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة لما فيها من غاية التنفير عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ لأنّ اللّه تعالى قد جنّب نبيه من الأمور الخارجة عن باب المعاصي، كالغلظة و الفظاظة و قول الشعر و غير ذلك مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون اللّه تعالى، على أنّه لا يخلو صلّى اللّه عليه و اله و سلّم-و حوشي ممّا قذف به-من أن يكون تعمّد ما حكوه و فعله قاصدا أو فعله ساهيا، و لا حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب و العمد لظهوره، و إن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة و طريقها ثمّ لمعنى ما تقدّمها من الكلام؛ لأنّا نعلم ضرورة أن من كان ساهيا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتّى يتفق منه بيت شعر
[١] سورة الفرقان، الآية: ٢٢.
[٢] سورة الحاقّة، الآيات: ٤٤-٤٧.
[٣] سورة الأعلى، الآية: ٦.