نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤٦ - سورة محمّد
كترك ذلك الظاهر ليسلم هذا، و أنتم إذا حملتم الأمر على الوجوب هاهنا تركتم تعلق العطاء بوقت الحصاد، و نحن إذا حملنا الأمر في الآية على الندب يسلم لنا ظاهر تعلّق العطاء بوقت الحصاد، و ليس أحد الأمرين إلاّ كصاحبه و أنتم المستدلّون بالآية فخرجت من أن تكون دليلا لكم.
و الطريق الآخر: انّا لو قلنا بوجوب هذا العطاء في وقت الحصاد و إن لم يكن مقدّرا بل موكولا إلى اختيار المعطى، لم تكن بعيدا من الصواب.
فان تعلقوا بقوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا كَسَبْتُمْ وَ مِمََّا أَخْرَجْنََا لَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ [١] فأنّ المراد بالنفقة هاهنا الصدقة بدلالة قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ [٢] يعني لا يخرجون زكاتها.
فالجواب عن ذلك أنّ اسم النفقة لا يجري على الزكاة إلاّ مجازا، و لا يعقل من إطلاق لفظ الانفاق إلاّ ما كان في المباحات و ما جرى مجراها، ثم لو سلمنا ظاهر العموم لجاز تخصيصه ببعض الأدلة التي ذكرناها.
فإن قيل: كيف تدّعون إجماع الإمامية و ابن الجنيد يخالف في ذلك و يذهب إلى أنّ الزكاة واجبة في جميع الحبوب التي تخرجها الأرض، و إن زادت على التسعة الأصناف التي ذكرتموها [٣] ؛ و روى في ذلك أخبارا كثيرة عن أئمتكم عليهم السّلام و ذكر أنّ يونس كان يذهب إلى ذلك.
قلنا: لا إعتبار بشذوذ ابن الجنيد و لا يونس و إن كان يوافقه، و الظاهر من مذهب الإمامية ما حكيناه [٤] .
و قد تقدّم إجماع الإمامية و تأخر عن ابن الجنيد و يونس، و الأخبار التي تعلّق ابن الجنيد بها الواردة من طريق الشيعة الإمامية [٥] معارضة بأظهر و أكثر و أقوى
[١] سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.
[٢] سورة التوبة، الآية: ٣٤.
[٣] مختلف الشيعة: ٣: ١٩٥.
[٤] وسائل الشيعة، ٦: ١٢٠ باب ١ من أبواب زكاة الغلاّت.
[٥] لا يوجد كتابه لدينا.