نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤٥ - سورة محمّد
الحصاد من الحفنة و الضّغث، فقد رووا ذلك عن أئمتهم عليهم السّلام فمنه ما روي عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ قال: ليس ذلك الزكاة ألا ترى أنّه تعالى قال: وَ لاََ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ* و هذه نكتة منه عليه السّلام مليحة؛ لأنّ النهي عن السرف لا يكون إلاّ فيما ليس بمقدّر، و الزكاة مقدرة.
و روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قيل له: يا ابن رسول اللّه و ما حقّه؟قال:
تناول منه المسكين و السائل [١] ، و الأحاديث بذلك كثيرة، و يكفي احتمال اللفظ، و إن كان يقوي هذا التأويل أنّ الآية يقتضي أن يكون العطاء في وقت الحصاد، و العشر المفروض في الزكاة لا يكون في تلك الحال؛ لأنّ العشر مكيل و لا يؤخذ إلاّ من مكيل، و في وقت الحصاد لا يكون مكيلا و لا يمكن كيله، و إنّما يكال بعد جفافه و تذريته و تصفيته، فتعليق العطاء بتلك الحال لا يليق إلاّ بما ذكرناه.
و يقوي أيضا هذا التأويل ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من النهي عن الحصاد و الجذاذ بالليل [٢] ، فالجذاذ هو صرام النخل، و إنّما نهى عليه السّلام عن ذلك لما فيه من حرمان المساكين عمّا ينبذ إليهم من ذلك.
و ما يقوله قوم في هذه الآية من أنّها مجملة فلا دليل لهم فيها، ليس بصحيح؛ لأنّ الاجمال هو مقدار الواجب لا الموجب فيه، فإن قيل: قد سمّاه اللّه تعالى حقّا و ذلك لا يليق إلاّ بالواجب.
قلنا: قد يطلق إسم الحقّ على الواجب و المندوب إليه، و قد روى جابر أنّ رجلا قال: يا رسول اللّه هل علي حقّ في إبلي سوى الزكاة؟فقال عليه السّلام: نعم تحمل عليها و تسقي من لبنها، فان قالوا ظاهر قوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يقتضي الوجوب و ما ذكرتموه ليس بواجب.
قلنا: إذا سلّمنا أنّ ظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب، كان لنا طريقان من الكلام، أحدهما: أن نقول: أنّ ترك ظاهر من الكلام ليسلم ظاهر آخر له
[١] الوسائل، ٦: ١٣٨ باب ١٤ من أبواب زكاة الغلاّت.
[٢] سنن البيهقي، ٤: ١٣٣.