نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣ - سورة الأسراء
أتاني نجيّي بعد هدء و رقدة # و لم أك فيما قد بلوت بكاذب [١]
و أنشد الفراء في الجمع:
ظلّت نساؤهم و القوم انجية # يعدي إليها كما يعدى على الغنم [٢]
فأمّا قوله تعالى: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاََّ رَجُلاً مَسْحُوراً ففيه وجوه:
أوّلها: أن يكون المراد: إن تتّبعون إلاّ رجلا متغيّر العقل؛ لأنّ المشركين كان من مذهبهم عيب النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و تضعيف أمره و توهين رأيه، و كانوا في وقت ينسبونه إلى أنّه ساحر، و في آخر يرمونه بالجنون، و أنّه مسحور مغيّر العقل، و ربّما قذفوه بأنّه شاعر حوشيّ من ذلك كلّه. و قد جرت عادة الناس بأن يصفوا من يضيفونه إلى البله و الغفلة و قلة التحصيل بأنّه محسور.
و ثانيها: أن يريدوا بالمسحور المخدوع المعلّل؛ لأنّ ذلك أحد ما يستعمل فيه هذه اللفظة، قال امرؤ القيس:
أرانا موضعين لحتم غيب # و نسحر بالطّعام و بالشّراب [٣]
و قال أميّة بن أبي الصلت:
فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا # عصافير من هذا الأنام المسحّر [٤]
و ثالثها: أنّ السّحر في لغة العرب الرّئة و ما تعلّق بها، و فيه ثلاث لغات:
سحر و سحر و سحر، و قيل: السّحر ما لصق بالحلقوم و المريء من أعلى الجوف؛ و قيل: إنّه الكبد؛ فكأنّ المعنى على هذا: إن تتّبعون إلاّ رجلا ذا سحر؛ خلقه اللّه بشرا كخلقكم.
[١] الشاعر هو سواد بن قارب السدوسي، صحابيّ ذكره ابن حجر في الاصابة، و هذا البيت من جملة أبيات أنشدها عند الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، ذكرت مع خبر له في مقدمة جمهرة الأشعار ٢٤-٢٦.
و الرواية هناك: و لم يك فيما قد عهدت بكاذب
[٢] البيت في اللسان (نجا) ، و نسبه لسحيم، و لم يذكر في ديوانه.
[٣] ديوانه: ١٣٢، موضعين: مسرعين، و الإيضاع: نوع من السير. و الحتم: الإيجاب.
[٤] البيت في اللسان (سحر) ، و نسبه إلى لبيد؛ و هو أيضا في ديوانه: