نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥ - سورة الأسراء
و لا يتمكّن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلّته؛ و إنّما قلنا ذلك؛ لأنّ من جوّز تكليف اللّه تعالى الكافر بالإيمان و هو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفي القبائح عن اللّه عزّ و جلّ؛ و إذا لم يمكنه ذلك فلا بدّ من أن يلزمه تجويز القبائح في أفعاله تعالى و أخباره؛ و لا يأمن أن يرسل كذّابا، و أن يخبر هو بالكذب تعالى عن ذلك!فالسمع إن كان كلامه قدح في حجّته تجويز الكذب عليه، و إن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذّاب؛ و إنّما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه.
و ليس لهم أن يقولوا: إنّ أمره تعالى الكافر بالإيمان و إن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه؛ لأنّه تشاغل بالكفر فترك الإيمان.
و إنّما كان يبطل تعلّقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه على وجه يقبح؛ و ذلك لأنّ ما قالوه إذا لم يؤثّر في كون ما ذكرناه تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر في نفي ما ألزمناه عنهم؛ لأنّه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب و سائر القبائح، و تكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه.
و ليس قولهم: إنّا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشيء يعتمد؛ بل يجري مجرى قول من جوّز عليه تعالى أن يكذب، و يكون الكذب منه تعالى حسنا؛ و يدّعي مع ذلك صحّة معرفة السمع بأن يقول: إنّني لم أضف إليه تعالى قبيحا، فيلزمني إفساد طريقة السمع، فلمّا كان من ذكرناه لا عذر له في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله.
و نعود إلى تأويل الآية؛ أمّا قوله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً فليس فيه ذكر للشيء الذي لا يقدرون عليه، و بيان له، و إنّما يصحّ ما قالوه لو بيّن أنّهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معيّن؛ فأمّا إذا لم يكن ذلك كذلك فلا متعلّق لهم.
فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم؛ فيجب أن يكون المراد بقوله:
فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً إلى مفارقة الضلال.
قلنا: إنّه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل؛ فيجوز أن يريد أنّهم