نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٦ - سورة النّمل
مرتبطيها؛ للتجاور و التقارب، و على سبيل التجوّز و الاستعارة؛ كما أضاف اللّه في القرآن السؤال إلى القرية؛ و إنّما هو لأهل القرية، و كما قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ فَحََاسَبْنََاهََا حِسََاباً شَدِيداً وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً `فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً [١] ؛ و في هذا كلّه حذوف. و قد أضيف في الظاهر الفعل إلى من هو في الحقيقة متعلّق بغيره؛ و القول في مدح أجناس من الطير، و الوصف لها بأنّها تنطق بالثناء على اللّه تعالى و المدح لأولياءه يجري على هذا المنهاج الذي نهجناه.
فإن قيل: كيف يستحقّ مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، و مرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح و الذمّ بذلك؟
قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظّا في استحقاق مرتبطيها مدحا و لا ذمّا؛ و إنّما قلنا: إنّه غير ممتنع أن تجري عادة المؤمنين الموالين لأولياء اللّه تعالى و المعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير. و كذلك تجري عادة بعض أعداء اللّه تعالى باتّخاذ بعض أجناس الطير فيكون متّخذ بعضها ممدوحا؛ لا من أجل اتّخاذه؛ لكن لما هو عليه من الاتّخاذ الصحيح؛ فيضاف المدح إلى هذه الأجناس و هو لمرتبطيها، و النطق بالتسبيح و الدعاء الصحيح إليها و هو لمتّخذها تجوّزا و اتّساعا. و كذلك القول في الذمّ المقابل للمدح.
فإن قيل: فلم نهي عن اتّخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذمّ لا يتعلّق باتّخاذها، و إنّما يتعلّق ببعض متّخذيها لكفرهم و ضلالهم؟.
قلنا: يجوز أن يكون في اتّخاذ هذه البهائم المنهيّ عن اتخاذها و ارتباطها مفسدة، و ليس يقبح خلقها في الأصل لهذا الوجه؛ لأنّها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط و الاتّخاذ الذي لا يمتنع تعلّق المفسدة به.
و يجوز أيضا أن يكون في اتّخاذها هذه الأجناس المنهيّ عنها شؤم و طيرة؛ فللعرب في ذلك مذهب معروف. و يصحّ هذا النهي أيضا على مذهب من نفى
[١] سورة الطلاق، الآيتان: ٨-٩.