نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٦٠ - سورة البلد
صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى [١] أي لم يصدّق و لم يصلّ، و كما قال الحطيئة:
و إن كانت النّعماء فيهم جزوا بها # إن أنعموا، لا كدّروها و لا كدّوا [٢]
و قلّما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ؛ لأنهم لا يقولون: لا جئتني و لا زرتني؛ يريدون: ما جئتني؛ فإن قالوا: لا جئتني و لا زرتني صلح؛ إلاّ أنّ في الآية ما ينوب مناب التكرار و يغني عنه، و هو قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا ؛ فكأنّه قال: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ، و لا آمن؛ فمعنى التكرار حاصل.
و الوجه الآخر: أن يكون «لا» جارية مجرى الدعاء؛ كقولك: لا نجا و لا سلم، و نحو ذلك.
و قال قوم: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ أي فهلاّ اقتحم العقبة!أو أفلا اقتحم العقبة قالوا: و يدلّ على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ ، و لو كان أراد النفي لم يتّصل الكلام.
و هذا الوجه ضعيف جدّا، لأنّ قوله تعالى: فَلاَ خال من لفظ الاستفهام، و قبح حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع، و قد عيب على عمر بن أبي ربيعة قوله:
ثمّ قالوا: تحبّها؟قلت: بهرا # عدد القطر و الحصى و التراب [٣]
فأمّا الترجيح بأنّ الكلام لو أريد به النفي لم يتصل و قد بيّنا أنّه متّصل، مع أنّ المراد به النفي؛ لأنّ قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا معطوف على قوله: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ، أي فلا اقتحم العقبة، ثمّ كان من الذين آمنوا.
و المعنى أنّه ما اقتحم العقبة و لا آمن؛ على ما بيّنّا.
فأمّا المراد بالعقبة فاختلف فيه، فقال قوم: هي عقبة ملساء في جهنّم، و اقتحامها فكّ رقبة. و روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: «إنّ أمامكم عقبة كؤودا لا
[١] سورة القيامة، الآية: ٣١.
[٢] ديوانه: ٢٠.
[٣] ديوانه: ٤٢٣ (مطبعة السعادة) .