نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٥ - سورة غافر
فإذا قالوا: إنّما تعلّق نفي قبول الشفاعة بإسقاط العقاب، قلنا: إنّما نفى قبول الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر.
و ربّما تعلّقوا بحسن الرغبة إلى اللّه تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعة نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فلو كانت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت رغبتنا في أن يجعلنا فساقا عصاة.
و الجواب: أن هذه الرغبة مشروطة بأن يجعلنا من أهل الشفاعة إذا عصينا، و الدعاء كلّه لا بدّ من اشتراطه على ما تبيّن، و يلزم على التعلّق بذلك إذا رغبنا إلى اللّه تعالى أن يجعلنا من التوّابين المستغفرين، و التوبة لا تكون إلاّ من الذنوب، و لذلك الاستغفار أن نكون راغبين من أن يجعلنا من أهل المعاصي، فأي شيء قالوه قلنا لهم مثله.
فإن اعترضوا على دليلنا الأوّل بقوله تعالى: وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نََاراً خََالِداً فِيهََا [١] و بقوله تعالى: وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذََاباً كَبِيراً [٢] ، و مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [٣] ، و وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ [٤] ، و ما أشبه ذلك من القرآن.
قلنا: لنا طرق ثلاثة في دفع هذا الكلام:
أوّلها: أن نبيّن أنه لا صيغة في اللغة مبنية لاستغراق الجنس، و أن جميع الألفاظ الّتي تعلقوا بها مشتركة بين العموم و الخصوص، و محتملة للأمرين على الحقيقة.
و ثانيها: أن نعارض بالآيات الّتي تعلقوا بها بآيات من القرآن يقتضي ظاهرها العفو و إسقاط العقاب.
و ثالثها أن نلزم من جوّز العفو عقلا من مخالفينا و شرط في كلّ عموم القرآن الوارد بإيقاع العقاب بارتفاع التوبة و زيادة الثواب على مقادير العقاب، أن
[١] سورة النساء، الآية: ١٤.
[٢] سورة الفرقان، الآية: ١٩.
[٣] سورة النساء، الآية: ١٢٣.
[٤] سورة الإنفطار، الآية: ١٤.