نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٦٨ - سورة الشّرح
قلنا: عن هذا السؤال جوابان: أحدهما: أنّه تعالى لمّا بشّره بأنّه يعلي دينه على الدين كلّه و يظهره عليه و يشفي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من أعدائه غيظه، و غيظ المؤمنين به، كان بذلك واضعا عنه ثقل غمّه بما كان يلحقه من قومه، و مطيّبا لنفسه و مبّدلا عسره يسرا؛ لأنّه يثق بأنّ وعد اللّه تعالى حقّ لا يخلف، فامتنّ اللّه تعالى عليه بنعمة سبقت الامتنان و تقدّمته.
و الجواب الآخر: أن يكون اللفظ و إن كان ظاهره الماضي، فالمراد به الاستقبال؛ و لهذا نظائر كثيرة في القرآن و الاستعمال؛ قال اللّه تعالى: وَ نََادىََ أَصْحََابُ اَلنََّارِ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ [١] و قوله تعالى: وَ نََادَوْا يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ [٢] ، إلى غير ذلك ممّا شهرته تغني عن ذكره [٣] .
- فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً (٥) `إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً (٦) [الشرح: ٥، ٦].
اعلم أنّ الصحيح هو أنّ الأمر إذا تكرّر، فالظاهر يقتضي تناول الثاني لغير ما تناوله الأوّل [٤] .
فأمّا قول من يشترط في تغاير متناول الأمر المتكرّر ألاّ يكون الأمر الأوّل يتناول الجنس أو العهد، و ادّعى أنّ الجنس يقتضي الاستغراق، فلا يجوز أن يفضل منه ما يتناوله الأمر الثاني، و أنّ العهد يقتضي صرف مقتضى الثاني إلى مقتضى الأوّل، فليس بصحيح؛ لأنّ القائل إذا قال إفعل الضرب، و كرّر ذلك؛ فإنّ قوله الأوّل يحتمل أن يريد به الاستغراق للجنس، و يحتمل أيضا أن يريد به بعض الجنس، و الظاهر من تغاير الأمرين تغاير مقتضاهما، حتّى يكون كلّ واحد منهما مفيدا لما لا يفيده الآخر، و أمّا العهد، فإن كان بين المتخاطبين، و علم المخاطب أنّ المخاطب أراد الأوّل، بعرف، أو عادة، حملناه على ذلك ضرورة، و لقيام الدلالة، فأمّا مع الإطلاق، فيجب حمل الثاني على غير مقتضى الأوّل.
[١] سورة الأعراف، الآية: ٥٠.
[٢] سورة الزخرف، الآية: ٧٧.
[٣] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١٦١.
[٤] الذريعة، ١: ١٢٥.