نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٢ - سورة الحاقة
و الّذي يدلّ على أنهم يعرفون اللّه تعالى-قبل أن نبيّن كيفيّة هذه المعرفة- أن المثاب لا بدّ أن يعلم وصول الثواب إليه على الوجه الّذي استحقّه، و قد علمنا أن العلم بما ذكرناه لا يصحّ إلاّ مع كمال العقل و المعرفة باللّه تعالى و حكمته، ليعلم أن ما فعله به هو الّذي استحقّه، و القول في المعاقب مثله في المثاب.
و أيضا فإن من شرط الثواب أن يصل إلى مستحقّه مع الإعظام و الإكرام من فاعل الثواب؛ لأن الإعظام من غير فاعل الثواب لا يؤثّر فيه، و الإعظام لا يعلم إلاّ مع القصد إلى التعظيم، و لا يجوز أن يعلموا قصده و لا يعلموه، و كذلك القول في العقاب و وصوله على سبيل الاستخفاف و الإهانة، و وجوب معرفة القصد من فاعله.
و أيضا فإنّ الثواب يجب وصوله إلى المثاب إلى أبلغ وجوه الانتفاع، و هذا يقتضي أن يكون المثاب كامل العقل، و إذا فعل به الثواب و لم يعلم أنه هو الّذي استحقّه عرّض بذلك الاعتقاد الجهل؛ لأن الأصل في النفع أنه تفضل، و كذلك أهل النار متى لم يعرفوا ربّهم، و أنه قد أوصل إليهم الآلام على سبيل الاستخفاف كانوا معرّضين لاعتقاد كونها ظلما، و هو جهل.
و يقدح في هذا الوجه خاصّة: أن العاقل يعلم بعقله قبح الاقدام على ما لا يأمن كونه جهلا، و إذا لم يعلموا جهة وقوع الثواب أو العقاب بهم وجب أن يتوقّفوا عن الاعتقاد فيشكوا.
و إذا وجب في أهل الآخرة أن يكونوا عارفين باللّه تعالى فلا يخلو معرفتهم من أن يكون من فعل اللّه تعالى فيهم أو من فعلهم، فإن كانت من فعلهم لم يخل من أن تكون واقعة عن نظر مختار، أو ملجأ إلى فعله، أو عن تذكر نظر، أو بأن يلجأ الفاعل إلى نفس المعرفة من تقدّم نظر، و إذا أبطلنا ما عدا المعرفة الضروريّة ثبت ما أردناه.
و لا يجوز أن تكون واقعة عن نظر مبتدأ؛ لأن ذلك تكليف و هو مشقّة، و قد بيّنا سقوط التكليف عنهم. غ