نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٧ - سورة غافر
و إنّما يعلم بالسمع، و قد اجتمعت الأمّة على أن عقاب الكفر الّذي يوافى به دائم، فقطعنا عليه، و ما لا يوافى به الإجماع على دوامه و لا انقطاعه، و إنّما يرجع في ذلك إلى الدليل، و لو كان عقاب الكفر الّذي لا يوافى به دائما لكان قد اجتمع للمكلّف الواحد استحقاق الثواب و العقاب على سبيل الدوام، و قد بيّنا فساد ذلك.
و إنّما رجّحنا القول بأن المؤمن لا يفكر على القول بجواز كفره من غير أن يوافى به، من أجل أن الكفر يستحقّ به الاستحقاق و الذمّ و اللعن، فلو جامع الإيمان مع بطلان التحابط لوجب أن يكون المرتدّون يستحقّون منّا المدح و التعظيم على ما تقدّم من إيمانهم، و ان استحقّوا الاستخفاف و اللعن على كفرهم، و اجتمعت الأمّة على أن كلّ مظهر لكفر وردّة فإنّه لا يستحقّ شيئا من التعظيم و الثواب، و ذلك معلوم من دينه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ضرورة.
فإذا قيل لنا: فقد نرى كثيرا ممّن كان مؤمنا يكفر، و ربّما بقي من الكفر إلى حال موته، و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ ثُمَّ اِزْدََادُوا كُفْراً [١] .
قلنا: ليس كلّ من أظهر الإيمان يكون مؤمنا على الحقيقة، و إذا وجدنا مظهرا للكفر بعد إظهار الإيمان قطعنا على أن ما أظهر من الإيمان لم يكن في الباطن و عند اللّه تعالى عليه.
فأمّا المراد بالآية فإنّما سمّى من أظهر الإيمان مؤمنا على العرف، كما قال اللّه تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنََاتٍ [٢] ، و كما قال اللّه عزّ و جلّ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [٣] ، و لا شبهة في أنه تعالى أراد إظهار الإيمان [٤] .
[الثاني: استدلّ بهذه الآية على أن الرتبة غير معتبرة في الأمر قالوا: لأن الطاعة تعتبر فيها الرتبة كالأمر] [٥] .
[١] سورة آل عمران، الآية: ٩٠.
[٢] سورة الممتحنة، الآية: ١٠.
[٣] سورة النساء، الآية: ٩٢.
[٤] الذخيرة: ٥٠٤.
[٥] الذريعة، ١: ٣٦.