نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٨٢ - سورة الزّمر
و ينبغي أن يقسم ما يتخيّل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة:
منها: ما يكون من غير سبب يقتضيه و لا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدءا.
و منها: ما يكون من وسواس الشيطان، و معنى هذه الوسوسة أن الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمّن أشياء مخصوصة، فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه، فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدّث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم.
و منها: ما يكون سببه و الداعي إليه خاطرا يفعله اللّه تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله. و معنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا ما يتضمّن ذلك الكلام. و المنامات الداعية إلى الخير و الصلاح في الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه معروفة، كما أن ما يقتضي الشرّ منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة.
و قد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه، ثمّ يصحّ ذلك حتّى يراه في يقظته على حدّ ما يراه في منامه.
و في كلّ منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحّته أن اللّه تعالى يفعل كلاما في سمعه بضرب من المصلحة، بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الّذي يسمعه هو يراه. فإذا صحّ تأويله على ما يراه، فما ذكرناه ان لم يكن ممّا يجوز أن تتفق فيه الصحّة اتّفاقا، فإن في المنامات ما يجوز أن يصحّ بالاتّفاق و ما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتّفاق، فهذا الّذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.
فإن قيل: أ ليس قد قال أبو عليّ الجبائي في بعض كلامه في المنامات: أن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثّرة فيها؛ لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثّر في شيء، و أنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان و هو مستيقظ ما لا أصل له.
قلنا: قد قال ذلك أبو عليّ، و هو خطأ؛ لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة