نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٤٣ - سورة يس
و قد اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فقال جماعة: إنّ لفظة «ما» هاهنا للنفي، و المراد أنّ آباؤهم ما أنذروا، لأنّ المصلحة لم تقتض بعثة رسول إليهم؛ و ليس من المعلوم لنا أنّ عيسى عليه السّلام كان الحجّة على كلّ مكلّف كان بين زمانه و بين زمان نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و يقوّي هذا الجواب إثبات الفترة و أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعث على فترة من الرسل.
و ذهب قوم من أهل التأويل إلى أنّ «ما» في الآية ليست للنفي بل للإثبات؛ و المراد: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم؛ و هذا أيضا جائز.
و يقوّي هذا الجواب و يضعف الأوّل أنّ قوله تعالى: فَهُمْ غََافِلُونَ يقتضي الذمّ لهم بالغفلة؛ و ذلك يقتضي أنّهم أنذروا فغفلوا و أعرضوا. و لا يذمّ بالغفلة من لا سبيل له إلى العلم و التبيّن.
و في الناس من حمل قوله تعالى: مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ على النفي، و المراد أنّه لم ينذرهم من هو منهم و على نسبهم و من أنفسهم؛ كما قال تعالى: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [١] فيكون تلخيص الكلام: لتنذر قوما أنت منهم ما أنذر آباؤهم من هو منهم؛ أي من قومهم و من أنفسهم.
و يمكن في لفظة «ما» وجه آخر و هو أن يراد بها التنكير؛ كأنّه قال:
لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا و تقف، ثمّ تبتدىء فتقول: أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ ؛ كما يقول القائل: أكلت طعاما مّا، و لقيت جماعة مّا، و يكون الغرض التنكير و الإجمال؛ و ليست لفظة «ما» هاهنا زائدة؛ لأنّ حدّ الزائد أن يكون دخوله في عدم الفائدة كخروجه؛ و هي هاهنا مفيدة على ما بيّناه [٢] .
- إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ [يس: ١١].
أنظر البقرة: ٢ من الرسائل، ٤: ٢٢٧.
- أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََا بَنِي آدَمَ أَنْ لاََ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطََانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)
[١] سورة التوبة، الآية: ١٢٨.
[٢] الأمالي، ٢: ٢٧١.