نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩٩ - سورة العنكبوت
شيئا من ذلك. و الكتابة صنعة كالنساجة و الصياغة، فكما لا يجب أن يعلم ضروب الصناعات، فكذلك الكتابة.
و قد دللنا على هذه المسألة، و استقصينا الجواب عن كلّ ما يسأل عنه فيها في مسألة مفردة أمليناها جوابا لسؤال بعض الرؤساء عنه، و انتهينا إلى أبعد الغايات.
و قلنا: إنّ إيجاب ذلك يؤدّي إلى إيجاب العلم بسائر المعلومات الغائبات و الحاضرات، و أن يكون كلّ واحد من النبي و الإمام محيطا بمعلومات اللّه تعالى كلّها.
و بيّنا أنّ ذلك يؤدّي إلى أن يكون المحدث عالما لنفسه كالقديم تعالى؛ لأنّ العلم الواحد لا يجوز أن يتعلّق بمعلوم على جهة التفصيل، و كلّ معلوم مفصّل لا بدّ له من علم مفرد يتعلّق به، و أنّ المحدث لا يجوز أن يكون عالما لنفسه، و لا يجوز أن يكون أيضا وجود ما لا نهاية له من المعلوم، و يبطل قول من ادعى أنّ الإمام محيط بالمعلومات.
فإن قالوا: الفرق بين الصناعات و بين الكتابة، أنّ الكتابة قد تتعلّق بأحكام الشرع، و ليس كذلك باقي الصناعات.
قلنا: لا صناعة من نساجة أو بناء أو غيرهما إلاّ و قد يجوز أن يتعلّق به حكم شرعي كالكتابة.
ألا ترى أن من استأجر بناءا على مخصوص، و أيضا النساجة قد يجوز أن يختلف، فيقول الصانع: قد وفيت العمل الذي استؤجرت له، و يقول المستأجر:
ما وفيت بذلك.
فمتى لم يكن الإمام عالما بتلك الصناعات و منتهيا إلى أبعد الغايات لم يمكنه أن يحكم بين المختلفين.
فإن قيل: يرجع إلى أهل تلك الصناعة فيما اختلفا فيه.
قلنا: في الكتابة مثل ذلك سواء.