نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٧ - سورة الصّافات
مع الفعل و أريد بها المصدر دون المفعول فيه كانت محمولة على ذلك بالدليل، و على سبيل المجاز. و الظاهر بخلافه، على أنّ التعليل و تعلّق الكلام الثاني بالأول على ما بيّناه أيضا ظاهر، فيجب أن يكون مراعى. و قد بيّنا أيضا انّه متى حمل الكلام على ما ظنّوه لم يكن الثاني متعلّقا بالأول و لا تعليلا فيه، و الظاهر يقتضي ذلك.
فقد صار فيما ادّعوه عدول عن الظاهر الّذي ذكرناه في معنى الآية، فلو سلّم ما ادّعوه من الظاهر في معنى اللفظة معه لتعارضتا، فكيف و قد بيّنا أنّه غير سليم و لا صحيح؟.
و بعد، فإنّ قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ لا يستقلّ بالفائدة بنفسه، و لا بدّ من أن يقدّر محذوف، و يرجع إلى (ما) الّتي بمعنى (الذي) ، و ليس لهم أن يقدّروا الهاء ليسلم ما ادّعوه بأولى منّا إذا قدّرنا لفظة فيه؛ لأنّ كلا الأمرين محذوف، و ليس تقدير أحدهما بأولى من الآخر، إلاّ بدليل هذا. على أنّا قد بيّنا أنّ مع تقدير الهاء يكون الكلام محتملا لما ذكرناه، كاحتماله لما ذكروه. و مع تقديرنا الّذي بيّناه يكون الكلام مختصّا غير مشترك، فصرنا بالظاهر أولى منهم، و صار للمعنى الّذي ذهبنا إليه الرجحان على معناهم. على أنّ معنى الآية و المقصود منها يدلاّن على ما ذكرناه، حتّى أنّا لو قدّرنا ما ظنّه المخالف لكان ناقضا للغرض في الآية و مبطلا لفايدتها؛ لأنّه تعالى خبر عن إبراهيم عليه السّلام بأنّه قرعهم و وبّخهم بعبادة الأصنام، و احتجّ عليهم بما يقتضي العدول عن عبادته. و لو كان مراده بالآية ما ظنّوه من أنّه تعالى خلقهم و خلق أعمالهم، و قد علمنا أنّ عبادتهم للأصنام من جملة أعمالهم، فكأنّه قال اللّه تعالى: و اللّه خلقكم و خلق عبادتكم لأصنامكم، لوجب أن يكون عاذرا لهم و مزيلا للوم عنهم؛ لأنّ الإنسان لا يذمّ على ما خلق فيه، و لا يعاتب، و لا يوبّخ.
و بعد، فلو حملنا الآية على ما توهّموه، لكان الكلام متناقضا من وجه آخر؛ لأنّه قد أضاف العمل إليهم بقوله «و ما تعملون» . و ذلك يمنع من كونه خلقا للّه تعالى؛ لأنّ العامل للشيء هو من أحدثه و أخرجه من العدم إلى الوجود؛