نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٣٣ - سورة النّور
جوّزنا أن يكونا ما فعلا شيئا من ذلك، و الزاني في الحقيقة من فعل الزنا، و علم ذلك منه.
و كذلك السارق فحمل الآيتين على العلم أولى من حملهما على الشهادة و الإقرار... [١]
و وجدت لابن الجنيد كلاما في هذه المسألة غير محصّل [٢] ؛ لأنّه لم يكن في هذا دلالة، و لا إليه دراية، يفرّق بين علم النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالشيء و بين علم خلفائه و حكامه، و هذا غلط منه؛ لأنّ علم العالمين بالمعلومات لا يختلف، فعلم كلّ واحد بمعلوم بعينه كعلم كلّ عالم به، و كما أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أو الإمام إذا شاهدا رجلا يزني أو يسرق فهما عالمان بذلك علما صحيحا، و كذلك من علم مثل ما علماه من خلفائهما، و التساوي في ذلك موجود، و وجدته يستدلّ على بطلان الحكم بالعلم بأن يقول: وجدت اللّه تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا أبطلها فيما بينهم و بين الكفّار و المرتدين، كالمواريث و المناكحة و أكل الذبائح، و وجدنا اللّه تعالى قد اطلع رسوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على من كان يبطن الكفر و يظهر الاسلام، و كان يعلمه و لم يبيّن صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم و أكل ذبائحهم، و هذا غير معتمد؛ لأنّا أولا لا نسلّم له أنّ اللّه تعالى قد أطلع النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على مغيب المنافقين و كلّ من كان يظهر الإيمان و يبطن الكفر من أمّته، فإن استدلّ على ذلك بقوله تعالى: وَ لَوْ نَشََاءُ لَأَرَيْنََاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمََاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ [٣] فهذا لا يدلّ على وقوع التعريف و إنّما يدلّ على القدرة عليه.
و معنى قوله: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ أي ليستقر ظنّك، أو وهمك من غير ظنّ، و لا يقين. ثمّ لو سلمنا على غاية مقترحة أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قد اطلع على البواطن لم يلزم ما ذكره؛ لأنّه غير ممتنع أن يكون تحريم المناكحة و الموارثة و أكل الذبائح إنّما يختص بمن أظهر كفره وردّته دون من أبطنها، و أن تكون المصلحة
[١] الانتصار: ٢٤١.
[٢] مختلف الشيعة، ٨: ٤٠٦.
[٣] سورة محمّد، الآية: ٣٠.