نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٣٥ - سورة النّور
العدلين، مثل قوله تعالى: وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ [١] و قوله تعالى:
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَدََاءِ [٢] و كلّ هذا يتناول القاذف بعد توبته، و إذا تناوله، صار هذا العموم بظاهره دليلا على أنّ اشتراط التوبة و إن كان متأخّرا فهو عائد إلى قبول الشهادة؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ استثناء التوبة في آخر الكلام يقتضي وجوب تعليقه بما يليه، و يجب التوقّف عن رجوعه إلى ما يصحّ عوده إليه من الجمل المتقدّمة إلاّ بدليل، فظاهر الآيات الّتي تلوناها يقتضي قبول شهادة القاذف بعد التوبة لتناول الظاهر له، فيقطع بذلك على عود الاستثناء إليه، لا من حيث الظاهر.
و يمكن أيضا أن يستدلّ على أن الاستثناء راجع إلى قبول الشهادة بقوله تعالى: إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ وَ أَصْلَحُوا و معلوم أنّ التوبة كافية في إسقاط حكم الفسق، و أنّ إصلاح العمل ليس بشرط في ذلك، و هو شرط في قبول الشهادة، فيجب أن يعود الاستثناء أيضا إلى قبول الشهادة.
فإن قيل: قوله تعالى: فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يليق إلاّ بإسقاط عقاب الفسق، دون قبول الشهادة.
قلنا: وصفه تعالى بالغفران و الرحمة ممّا يستحقّه جل اسمه على كلّ حال، و لا يحتاج فيه إلى مطابقة بعض ما يتعقّبه من الكلام.
على أنّ الرحمة هي النعمة، و اللّه تعالى منعم بالأمر بقبول شهادة التائب من القذف بعد أن كانت مردودة، و الغفران في الأصل مأخوذ من الغفر الّذي هو الستر، و منه المغفر؛ لأنّه ساتر، و إنّما سمّي الإسقاط للعقاب غفرانا، من حيث كان الساتر للشيء المخفي له كأنّه مزيل له، و ماح لرسمه، و اللّه تعالى إذا أمرنا بقبول شهادة التائب من القذف، فقد أسقط ما كان تعبّد به قبل التوبة من ردّ شهادته، و أزاله، و هذا كلّه بيّن [٣] .
[الثاني: ]واصل هو أوّل من أظهر المنزلة بين المنزلتين؛ لأنّ الناس كانوا
[١] سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
[٢] نفس المصدر.
[٣] الذريعة، ١: ٢٦٩.