نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٨ - سورة الكوثر
بفصاحة و بلاغة لا يعدّ هذا الذي تكلّف-و أمارات الكلفة و الهجنة فيه بادية- فصيحا و لا بليغا بل و لا صحيحا مستقيما.
فأمّا اَلْكَوْثَرَ فقد قيل: إنّه نهر في الجنّة. و قيل: إنّ الكوثر النهر بلغة أهل السماوة. و قيل: إنّ الكوثر إنّما أراد به الكثير، فكأنّه تعالى قال: إنّا أعطيناك الخير الكثير. و هو أعجب التأويلين إلي، و أدخل في أن يكون الكلام في غاية الفصاحة، فانّ العبارة عن الكثير بالكوثر من قوي الفصاحة.
و قوله «فصل لربك و انحر» ان استقبل القبلة في نحرك، و هو أجود التأويلات في هذه اللفظة من أفصح الكلام و أبلغه و أشدّه اختصارا، و العرب تقول: هذه منازل تتناحر. أي تتقابل. و قال بعضهم:
أبا حكم هل أنت عم مجالد # و سيد أهل الابطح المتناحر [١]
فأمّا قوله: إِنَّ شََانِئَكَ هُوَ اَلْأَبْتَرُ فمن أعجب الكلام بلاغة و اختصارا و فصاحة، و كم بين الشاني و العدوّ في الفصاحة و حسن العبارة. و قيل:
إنّ الابتر هو الذي لا نسل له و لا ذكر له من الولد، و إنّه عني بذلك العاص بن وابل السهمي. و قيل: إنّ الابتر هاهنا هو المنقطع الحجّة و الامل و الخير، و هو أحبّ إلي و أشبه بالفصاحة.
فهذه السورة على قصرها كما تراها في غاية البلاغة إذا انتقدت، و ركية تنبع كلّ فصاحة إذا اختبرت. و من لم يقدر على هذا الاختيار و الاعتبار، فيكفيه في نفي المعارضة و القدرة عليها ما قدّمناه من الدليل على سبيل الجملة.
فأمّا قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فداخل فيه الطوال و القصار من غير تعيين على سورة يقع الاختبار عليها منه عليه السّلام من غير تفرقة بين القصار و الطوال.
و لا خلاف بين المسلمين في ذلك؛ لأنّ التحدي أوّلا وقع بجميع القرآن في قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا اَلْقُرْآنِ لاََ يَأْتُونَ
[١] سمعه الفراء من بعض بني أسد انظر لسان العرب مادّة «نحر» .
غ