نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٢ - سورة النّور
تعالى أمر بالنكاح في مواضع كثيرة من الكتاب و لم يشرط بالشهادة، و لو كانت شرطا لذكرت، على أنّ أبا حنيفة عنده أنّ كلّ زيادة في القرآن توجب النسخ [١] ، فلو زاد الشهادة لكان ذلك نسخا للكتاب، و الكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد.
و ممّا يمكن أن يعارض المخالف به ما رووه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: «إنّ النساء عندكم عوار أخذتموهنّ بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه» [٢] ، و ليس هاهنا كلام يستباح به فرج المرأة غير قول المزوّج قد زوّجت و قول المتزوّج قد تزوجت و ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّ الاستباحة حصلت بهذا الكلام بلا شرط زائد من شهادة و لا غيرها.
فإن قيل: إنّما أراد بكلمة اللّه قوله تعالى: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامىََ مِنْكُمْ و ما جرى مجراه من الألفاظ المبيحة للعقد على النساء؟
قلنا: تحليل الفرج لم يحصل بهذا القول، و لو كان حاصلا به لاستغنى عن العقد و الايجاب و القبول في الاباحة، و إنّما آيات القرآن استفيد [٣] منها الاذن فيما يقع به التحليل و الاباحة و هو العقد و الايجاب و القبول.
فان احتجوا بما يروونه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: «لا نكاح إلاّ بولي و شاهدي عدل» [٤] ، فالجواب عنه: أنّ هذا الخبر واحد، و هو مع ذلك مطعون في طريقه، و الزهري [٥] قد أنكره، و مداره عليه و في تضعيفه وجوه كثيرة لا نطوّل بذكرها، و مع ذلك فانّ النفي داخل في اللفظ على النكاح، و المراد حكمه؛ و ليس هم بأن يحملوه على نفي الصحة و الأجزاء بأولى منّا إذا حملناه على نفي الفضل و الكمال [٦] ، و أجريناه مجرى قوله عليه السّلام: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد، و لا صدقة و ذو رحم محتاج [٧] .
[١] المحصول، ١: ٥٦٤.
[٢] المبسوط (للسرخسي) ، ٥: ٥٩.
[٣] يستفاد خ ل.
[٤] سنن البيهقي، ٧: ١٢٤، ١٢٦.
[٥] المغني (لابن قدامة) ، ٨: ٣٣٨.
[٦] قال في الرسائل ١/٢٣٧: فكانه قال: لا نكاح فاضلا إلاّ بوليّ و شهود.
[٧] الانتصار: ١١٨ و راجع أيضا الرسائل: ١/٢٣٦. و الناصريات: ٣١٩.