نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٥ - سورة غافر
فإن قيل: مع نفيكم التحابط كيف قولكم فيمن كفر بعد إيمان أو آمن بعد كفر؟قلنا: نجوّز أن يتلو الإيمان الكفر، و لا نجوّز أن يكفر المؤمن جملة، و في المرجئة من جوز أن يكفر، لكنّه لا بدّ بعد ذلك من أن يؤمن و يوافي بإيمانه؛ و الصحيح الأوّل.
و إذا وقع الإيمان بعد الكفر، فإنّ اللّه تعالى يغفر عقاب الكفر تفضّلا، و لو شاء يؤاخذ به، لكن السمع منع من ذلك.
و إنّما قلنا: إن المؤمن لا بدّ من أن يوافي بإيمانه، أن الإجماع واقع على أن الإيمان يستحقّ به الثواب الدائم، فلو جاز أن يكفر المؤمن كفرا يوافى به لاستحق فاعله الثواب و العقاب الدائمين؛ لإجماعهم أيضا على أن الكفر الموافى به يستحقّ عليه العقاب الدائم، و الإجماع يمنع من استحقاق الأمرين على سبيل الدوام.
و أيضا، فإن التحابط إذا بطل و اجتمع الاستحقاق ان الدائمان فلا بدّ إذا فعل المستحقّ منهما من أن يتلو الثواب العقاب و العقاب الثواب، و اجتمعت الأمّة على أن الثواب في الآخرة لا يقطع و لا يتخلله عقاب.
فإذا قيل: كيف تدّعون الإجماع في دوام المستحقّ من الثواب على الإيمان، و في الناس من يقول: إنه لا يستحقّ على اللّه تعالى شيء، و فيهم من يشترط في استحقاقه الثواب بالإيمان الموافاة، كما شرطتم ذلك في الكفر.
قلنا: أمّا من نفى أن يستحقّ على اللّه تعالى شيء من المجبّرة، أو من نفى استحقاق الثواب من جهة العدول من البغداديين، فهم معنا مجمعون على أن الثواب إذا لم يحبطه فاعله، فلا بدّ من أن يفعل به و يوصل إليه، فلو جعلنا مكان قولنا إنه يستحقّ الثواب أنه لا بدّ من أن يفعل به الثواب الدائم متى لم يحبطه زالت الشبهة.
على أن البغداديين يعترفون بالاستحقاق، و إنّما يضيفونه إلى الحكمة و الجود، فما خالفوا في أصل الاستحقاق، و المجبّرة تنفي الاستحقاق لكلّ شيء