نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٤ - سورة الكهف
على ما ذكر في السؤال، فكأنّه قال ستجدني صابرا و لا أعصي لك أمرا إن شاء اللّه. و إنّما قدّم الشرط على الأمرين جميعا و هذا ظاهر في الكلام.
و أمّا قوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً فقد قيل: إنّه أراد شيئا عجبا، و قيل: إنّه أراد شيئا منكرا، و قيل: إنّ الأمر أيضا هو الداهية. فكأنّه قال: جئت داهية.
و قد ذهب بعض أهل اللغة إلى أنّ الإمر مشتقّ من الكثرة من أمر القوم إذا كثروا، و جعل عبارة عمّا كثر عجبه، و إذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال فيها، و إن حملت على المنكر كان الجواب عنها و عن قوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً واحدا.
و في ذلك وجوه:
منها: انّ ظاهر ما أتيته المنكر و من يشاهده ينكره قبل أن يعرف علّته.
و منها: أن يكون حذف الشرط فكأنّه قال: إن كنت قتلته ظالما فقد جئت شيئا نكرا.
و منها: أنّه أراد أنّك أتيت أمرا بديعا غريبا؛ فإنّهم يقولون فيما يستغربونه و يجهلون علته: إنّه نكر و منكر، و ليس يمكن إن يدفع خروج الكلام مخرج الاستفهام و التقرير دون القطع. ألا ترى إلى قوله: أَ خَرَقْتَهََا لِتُغْرِقَ أَهْلَهََا [١] و إلى قوله: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [٢] . و معلوم أنّه إن كان قصد بخرق السفينة إلى التغريق، فقد أتى منكرا. و كذلك إن كان قتل النفس على سبيل الظلم.
و أمّا قوله: لاََ تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ [٣] فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة:
أحدها: أنّه أراد النسيان المعروف، و ليس ذلك بعجب مع قصر المدّة، فإنّ الإنسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب و غير ذلك.
و الوجه الثاني: انّه أراد لا تأخذني بما تركت. و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلىََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [٤] أي ترك، و قد روي هذا الوجه عن
[١] سورة الكهف، الآية: ٧١.
[٢] سورة الكهف، الآية: ٧٤.
[٣] سورة الكهف، الآية: ٧٣.
[٤] سورة طه، الآية: ١١٥.