نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٦ - سورة الكهف
فأمّا قوله: فَخَشِينََا أَنْ يُرْهِقَهُمََا طُغْيََاناً وَ كُفْراً فالظاهر يشهد أنّ الخشية من العالم لا منه تعالى. و الخشية ههنا قيل: العلم، كما قال اللّه تعالى: وَ إِنِ اِمْرَأَةٌ خََافَتْ مِنْ بَعْلِهََا نُشُوزاً أَوْ إِعْرََاضاً [١] و قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ يَخََافََا أَلاََّ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ [٢] و قوله عزّ و جلّ: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [٣] و كل ذلك بمعنى العلم.
و على هذا الوجه كأنّه يقول: إنّني علمت بإعلام اللّه تعالى لي أنّ هذا الغلام متى بقي كفر أبواه، و متى قتل بقيا على إيمانهما، فصارت تبقيته مفسدة و وجب اخترامه، و لا فرق بين أن يميته اللّه تعالى و بين أن يأمر بقتله.
و قد قيل: إنّ الخشية هاهنا بمعنى الخوف الّذي لا يكون معه يقين و لا قطع. و هذا يطابق جواب من قال: إنّ الغلام كان كافرا مستحقّا للقتل بكفره، و انضاف إلى استحقاقه ذلك بالكفر خشية إدخال أبويه في الكفر و تزيينه لهما.
قال قوم: إنّ الخشية ههنا هي الكراهية، يقول القائل: فرّقت بين الرجلين خشية أن يقتتلا، أي كراهة لذلك، و على هذا التأويل و الوجه الّذي قلنا: انّه بمعنى العلم، لا يمتنع أن تضاف الخشية إلى اللّه تعالى.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكََانَتْ لِمَسََاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ [٤] و السفينة البحرية تساوي المال الجزيل، و كيف يسمّى مالكها بأنّه مسكين و المسكين عند قوم شرّ من الفقير؟و كيف قال: وَ كََانَ وَرََاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [٥] و من كان وراءهم قد سلموا من شرّه و نجوا من مكروهة و إنّما الحذر ممّا يستقبل. قلنا: أما قوله: لِمَسََاكِينَ ففيه أوجه:
منها: أنّه لم يعن بوصفهم بالمسكنة، الفقر، و إنّما أراد عدم الناصر و انقطاع الحيلة، كما يقال لمن له عدوّ يظلمه و يهضمه: إنّه مسكين و مستضعف و إن كان كثير المال واسع الحال؛ و يجري هذا مجرى ما روي عنه عليه السّلام من قوله:
[١] سورة النساء، الآية: ١٢٨.
[٢] سورة البقرة، الآية: ٢٢٩.
[٣] سورة التوبة، الآية: ٢٨.
[٤] سورة الكهف، الآية: ٧٩.
[٥] سورة الكهف، الآية: ٧٩.