نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١ - سورة الأسراء
و لم يثبت بهذا الكلام في أخلاقهم فحشا أصلا و جزعا غير سيّء، و إنّما نفي الفحش و الجزع على كلّ حال، و لو لا ذلك لكان هاجيا لهم و لم يكن مادحا.
و قال الفرزدق:
و لم تأت غير أهلها بالذي أتت # به جعفرا يوم الهضيبات عيرها [١]
أتتهم بتمر لم يكن هجرية [٢] # و لا حنطة الشام المزيت خميرها [٣]
فقوله «لم يكن هجرية» أي لم يحمل التمر الذي يكون كثير في هجر [٤] ، و لم يرد بباقي البيت أنّ هناك حنطة ليس في خميرها زيت، بل أراد بها لم يحمل تمرا و لا حنطة، ثم وصف الحنطة بأنّ الزيت يجعل في خميرها.
و نظائر هذا الباب أكثر من أن تحصى.
فعلى ما ذكرناه لا ينكر أن يريد تعالى: انّا فضلناهم على جميع من خلقنا و هم كثير، فجرى ذكر الكثرة على سبيل الوصف المعلّق لا على وجه التخصيص و ليس لأحد أن يخبر بقوله: «فعل كذا و كذا كثير من الناس» على سبيل التخصيص دون العموم.
و قوله تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوََائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [٥] و قوله تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ لَكََافِرُونَ [٦] ، و ذلك أنّا لم نقل: إنّ هذه اللفظة في كلّ موضع تستعمل بمعنى واحد، بل الوجه في استعمالها يختلف، و ربّما أريد بها التخصيص و ربّما أريد ما ذكرناه ممّا تقدّم، و إنّما يرجع في ذلك إمّا إلى الوضع أو إلى الدلالة تدلّ على المعنى المقصود، و إنّما أردنا الردّ على من ادّعى أنّها تقتضي التخصيص لا محالة، فدفعناه عن ذلك بما أوردناه.
[١] كذا في الديوان، و فى الاصل: به جعفر القرم يوم الهضاب عيرها.
[٢] كذا في الاصل، و فى الديوان: أتتهم بعير لم تكن هجرية.
[٣] ديوان الفرذوق: ١/٣٦٨.
[٤] هجرى مدينة، هي قاعدة البحرين، و قيل ناحيه البحرين كلها هجر (معجم البلدان ٥/٣٩٣) .
[٥] سورة الأنعام، الآية: ١١٩.
[٦] سورة المؤمنون، الآية: ٣٣.