نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٤ - سورة غافر
على أن الشروط الّتي يعتبرها مخالفنا في قطع السارق على سبيل النكال و العقوبة تكاد تكون متعذّرة؛ لأنهم يشترطون علم الإمام بكون السارق سارقا لما يملكه المسروق منه، و تناوله له من حرز، و قيمته بالغة القدر الّذي يجب فيه القطع، و يعلمه في حال التناول كامل العقل، قد وقعت عنه الشبهات مصرّا غير تائب، و معلوم الإحاطة بهذه الشروط كلّها، فإن ادعي فيه الإمكان تقديرا قدرنا مثل ذلك في العفو؛ لأنه غير ممتنع فرضا و تقديرا أن يجعل اللّه تعالى للإمام علامة يميّز بها بين من عفي عنه و بين من لم يعف عنه.
على أن امتثال آيات الحدود ممكن على كلّ حال في الكفّار؛ لأنا نأمن فيهم ثبوت ما يقتضي إسقاط العقاب.
و ربّما استدلّ المخالف في ارتفاع العفو عن مستحقّي العقاب بأن يقول: لو عفا اللّه عنهم لم تخل حالهم بعد العفو من أمور: إمّا أن يدخلهم الجنّة، أو النار، أو لا يدخلهم جنّة و لا نارا، فإن أدخلهم الجنّة لم يخل من أن يكونوا فيها مثابين أو غير مثابين، و ان أدخلهم النار فأمّا أن يكونوا معاقبين أو غير معاقبين، و كونهم في غير جنّة و لا نار إمّا بأن افنوا أو اميتوا، أو بأن يكونوا أحياء في دار أخرى.
يمنع الإجماع منه؛ لأن الأمّة مجتمعة على أنّ كلّ مكلّف لا منزلة له في الآخرة بين الجنّة و النار، و الإجماع أيضا يمنع من أن يدخلوا الجنّة و لا يثابوا فيها، و يدفع أيضا أن يكونوا في النار غير معاقبين أو معاقبين، و ان كان العقل يمنع من عقابهم بعد إسقاطه، فلم يبق إلاّ أن يدخلوا الجنّة مثابين، و لا ثواب لهم يستحّقونه؛ لأن عقاب معاصيهم قد أحبط ثوابهم و التفضّل بالثواب قبيح، فوجب القطع على بطلان العفو، لأن تجويزه يؤدّي إلى علم فساده.
و الجواب عن هذه الشبهة: أنها إن بنيت على أن الثواب ينحبط بالعقاب، و قد دلّلنا فيما تقدّم من هذا الكتاب على بطلان التحابط، و الصحيح فى هذا الموضع أنّ اللّه تعالى إذا عفا عن فسّاق أهل الصلاة فسقط عقابهم أدخلهم الجنّة، و أثابهم بما يستحقّونه على إيمانهم و طاعاتهم.