نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٥ - سورة الكهف
ابن عبّاس، عن أبيّ بن كعب، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: قال موسى: لاََ تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ يقول: بما تركت من عهدك.
و الوجه الثالث: انّه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسمّاه نسيانا للمشابهة، كما قال المؤذّن لأخوة يوسف عليه السّلام: إنّكم لسارقون، أي إنّكم تشبهون السرّاق، و كما يتأوّل الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «كذب إبراهيم عليه السّلام ثلاث كذبات في قوله: سارة اختي، و في قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا و قوله: إِنِّي سَقِيمٌ ، و المراد بذلك-إن كان هذا الخبر صحيحا-أنّه فعل ما ظاهره الكذب. و اذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها. و إذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن اللّه تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه فأمّا فيما هو خارج عمّا ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى أنّه إذا نسي أو سهى في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمرّ و لا يتّصل، ينسب إلى أنّه مغفل، فإنّ ذلك غير ممتنع. و أمّا وصف النفس بأنّها زكية فقد قلنا: إنّ ذاك خرج مخرج الاستفهام لا على سبيل الإخبار. و إذا كان استفهاما فلا سؤال على هذا الموضع. و قد اختلف المفسّرون في هذه النفس، فقال أكثرهم: إنّه كان صبيّا لم يبلغ الحلم، و أنّ الخضر و موسى عليهما السّلام مرّا بغلمان يلعبون، فأخذ الخضر عليه السّلام منهم غلاما فأضجعه و ذبحه بالسكين. و من ذهب إلى هذا الوجه يجب أن يحمل قوله زكية على أنّه من الزكاة الذي هو الزيادة و النماء؛ لأنّ الطهارة في الدين من قولهم: زكت الأرض تزكو: إذا زاد ريعها.
و ذهب قوم إلى أنه كان رجلا بالغا كافرا و لم يكن يعلم موسى عليه السّلام باستحقاقه القتل، فاستفهم عن حاله. و من أجاب بهذا الجواب إذا سئل عن قوله تعالى: حَتََّى إِذََا لَقِيََا غُلاََماً فَقَتَلَهُ [١] يقول لا يمتنع تسمية الرجل بأنه غلام على مذهب العرب و إن كان بالغا.
[١] سورة الكهف، الآية: ٧٤.