نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٧ - سورة النّور
قلنا: يمسكها اللّه تعالى، و يسكّنها كما يمسك الأرض و الفلك.
و إنّما ينكر هذا أصحاب الطبائع، الذين لا يقرّون بالخالق جلّت عظمته، فيذكرون في سبب وقوف الأرض المركز و هو لا يعقل؛ و لو أثبتوا الصانع جلّت عظمته نسبوا سكون الأرض إليه، و استغنوا عن تكلّف ما لا يعقل و لا يفهم.
و الأولى في تفسير هذا الموضع أن تكون «من» الأولى و الثانية لابتداء الغاية، و الثالثة زائدة لا حكم لها؛ و يكون تقدير الكلام: و ينزّل من جبال في السماء بردا، فزاد «من» كما يزاد في قولهم: ما في الدار من أحد، و كم أعطيتك من درهم!و ما لك عندي من حقّ؛ و ما أشبه ذلك.
و علامة زيادتها في هذه المواضع أنّك إذا أخرجتها أو ألغيتها كان الكلام مستقلاّ لا يتغيّر معناه، و جرى قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ مجرى قول القائل: كم حملت لك من الكوفة من سوقها من ثوب!و المعنى:
كم حملت لك من سوق الكوفة ثوبا!.
و الأولى أن يريد بلفظة «السّماء» هنا ما علا من الغيم و ارتفع فصار سماء لنا؛ لأنّ سماء البيت و سماوته ما ارتفع منه؛ و لأنّ السحاب لا يكون في السماء التي هي الفلك للكواكب؛ و إنّما هو تحته، و أراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال و الجمال؛ و هذا شائع في كلامها، كأنّه تعالى قال:
و ينزّل من السحاب الذي يشبه الجبال في تراكمه بردا؛ قد ظهر على هذا التأويل مفعول صحيح لـ «ننزّل» و لا مفعول لهذا الفعل على التأويلات المتقدّمة.
فإن قيل: إذا جاز أن تجعلوا مِنْ الأخيرة زائدة حتى يكون المنزّل هو البرد، فألاّ جعلتم مِنْ الثانية هي الزائدة، و يكون تقدير الكلام: و ننزّل من السماء جبالا من برد!.
قلنا: ليس يشبه البرد في نزوله الجبال على وجه و لا سبب؛ و السّحاب المتراكم يشبه الجبال، و قد جرت عادة العرب بتشبيهه بها، فيجب أن تكون الثانية غير زائدة لما ذكرناه، و تكون الأخيرة زائدة؛ و إلاّ بقيتا بلا مفعول؛ و لأنّه